16 يونيو 2010
Posted in
تأملات -
قصة من تاريخ الكنيسة
وفى سنة المائة والعشرين لدخول العرب إلى البلاد، كان ملكهم ذلك الزمان يسمى سنان الخليفة بمصر. كان من دولته رجل ردئ جداً قد تعلّم صناعة السحر وفاق فى الشيطنة على كل أهل زمانه. وكان اسمه يونس، كان قد جاء فى بعض الأيام فيما هو مجتاز بالزعفرانة وجد هذه البيعة اللطيفة.
نزلت المياه بسرعة وهدمت تلك البلاد كلها، وهدمت القصر الذى ساكنه ذلك الساحر(يونس )، وارتدم فى البناء ومات أشر ميتة، غريقاً رديماً. ونزلت نفسه إلى قاع الجحيم مع الشيطان الذى كان يفعل مراده.
وأخرب الماء سائر الأماكن والمدائن والبلاد، وكان كالطوفان الذى كان فى أيام نوح البار( ) وأتت المياه إلى حد حائط كنيسة سمنود التى على اسم الست السيدة المسمية صهيون بالجانب الغربى عند القلعة القديمة.. ونزل الماء المالح فى البحر (نهر النيل) من سمنود فصار مالحاً.
اليهودى والوشاية
وأن الخبر اتصل بالخليفة.. سنان، بأن سائر البلاد خربت من جهة الجسر الذى انقطع. فحزن حزناً شديداً، واغتم غماً زائداً على ما كان يحصل له منه من الأموال والأرزاق من تلك البلاد، لأن هذا الإقليم كان يثمر الزعفران وسائر الحشائش العطرة الغالية القيمة، ويحصّل للسلطنة من الأموال الجزيلة شيئاً كثيراً. وفيما هو مفكر فيما يصنع وكان محتاراً فى أمره، وكان فى ذلك الوقت رجل من أكابر اليهود كان يحضر عند الخليفة فى أكثر الأوقات بالقلعة لأجل ضبط أموال السلطنة.. قال له: يا أيها الملك.. لا يدخل على قلبك هَمْ من أجل هذا يا ملك الزمان، أرسل واحضر بطرك النصارى القبط، وإلزمه بهذا الأمر وهو يرّد كل شئ لأصله ( )..
فقال الملك سنان لأعوانه، امضوا بسرعة واحضروا لى بطرك القبط. فلما حضر الأب البطريرك(الأب البطريرك أنبا ألكسندروس بطريرك الإسكندرية التاسع عشر ) قال له الملك سنان: يا بطرك أريد منك أن ترد هذه المياه التى أخربت البلاد، وتعمل الجسر كما كان أولاً، لأن أناساً أعلمونى أنك تقدر على ذلك.. ثم قال الخليفة للأب البطريرك اسرع بهذا فى الغد. قال له الأب البطريرك وهو حزين: إمهلنى يا مولاى الخليفة. قال له الخليفة: قد أمهلتك ثلاثة أيام. وأن الأب البطريرك قبَّل الأرض قدامه ونزل من القلعة، وقد أحاط به وبكل الشعب شدة الحزن بسبب هذا الأمر.
صلاة واستجابة
وأن الأب القديس الراعى الصالح أبونا الأب البطريرك دخل إلى بيعة الست السيدة العذراء بمصر وقال للخدام أقفلوا علىّ ولا أحداً منكم يفتقدنى إلى كمال ثلاثة أيام، وأقام يصلى فى الكنيسة المعلّقة قدام أيقونة الست السيدة أم الحياة ثلاثة أيام بلياليها؛ وكل آخر صلاة يقول صارخاً نحو القوية: يا شفيعة ومنجدة لمن التجأ إليها، يا خادمة السر ومعاينة الإله الكلمة، والدته بالجسد، لأجل خلاصنا يا أم النور الحنونة، أيتها العذراء الطاهرة؛ خلصى شعبك من هذه التجربة العظيمة، وثبّتى بيعتك، ولا تفرّحى فينا الأعداء، لئلا يقول المخالفون أين إلههم، وصار على هذا الحال إلى كمال ثلاثة أيام بلياليها. وفى آخر الليلة الثالثة كلّمته العذراء الطاهرة من أيقونتها المقدسة قائلة: لا تخف أيها الراعى الصالح افرح، فإنى معك، وباكر يحضر إلى عندك رسل الحاكم ويأخذونك إلى عنده، فلا تنزعج ولا تقلق ولا يدخلك وهم، لأن ابنى الحبيب قَبِل طلباتك ودموع كل الشعب. وفى توجهك تجد إنساناً تفاحياً، رجلاً فاضلاً على رأسه مشنة وهو قديس صفى مختار، قد أرضَى ابنى الحبيب فى سائر تصرفه، خذه معك غصباً عنه وتوجّه به، وأنا أجعل الماء راجعاً إلى مستقره الأول. سلام ابنى الحبيب وقوة أبيه الصالح والروح القدس يكون معك آمين. فلما قالت آمين سكت الصوت.
فلما كان الصباح أتى رسل الحاكم فأخذوه. وفيما هو ماضٍ معهم وجد ذلك الرجل التفاحى الذى أعلمته عنه الست الحنونة السيدة أم الحياة، فمسكه الأب من ورائه من قبة ثوبه؛ والتفت الرجل فرأى الأب البطريرك فخر على الأرض ساجداً له بوجهه، فأقامه السيد الأب البطريرك وقال له: قم يا ابنى. وبارك عليه، ومسكه بيده ومشى. فقال له ذلك الرجل التفاحى: إلى أين ماض يا أبى؟ قال له الأب البطريرك: حيث أمضى أنا أنت معى. قال له ذلك الرجل: وما هو عملى معك يا أبى، وأنا أخطأ سائر العالم كله؟ دعنى أمضى لأبيع ما معى وادعُ لى. قال له الأب البطريرك: يا ابنى لا تبرح من ههنا من قصاد (أمام) عينى. وأن ذلك الرجل التفاحى أراد أن يهرب فربطه الأب البطريرك بصلاة، فمشى معه وترك المشنة فى دكان أحد معارفه. فلما قربوا من القلعة، طلع الأب البطريرك إلى عند الخليفة، وقال له السلام لك بأدب وتأخر (تواضع). فقال له الخليفة: ماذا قلت يا بطرك فى توجهك إلى بحرى وترد الماء الذى أهلك الناس وأخرب البلاد، لأن من حين وقع هذا الأمر لم أهنأ بنوم ولا بطعام، ولأن الأموال التى كانت تغل من هذه الأرض أكثر من كل الأقاليم، فماذا قلت. قال له الأب البطريرك: السمع والطاعة يا مولانا الخليفة، بقوة الله نمضى، والذى يفعله هو الذى يكون. قال له الخليفة سنان: وأنا أيضاً أركب معك، ولوقته وساعته هيأ الخيل، وركب سنان الخليفة ومعه بعض عسكره..
وأما هو فصار، هو والأب البطريرك وأكثر نصارى مصر تابعين للأب البطريرك، وصاروا كلما اجتازوا ببلد فيها النصارى، تخرج نصارتها منها يرافقون الأب البطريرك حتى صار جمعاً كبيراً. وعدّوا (جازوا) من على بنها العسل إلى البر الغربى ونزلوا وضربوا الخيام للخليفة، وبات هناك إلى الصباح.
ثم صبحوا فسافروا إلى أن أتوا إلى سمنود، وضرب الخليفة خيامه فيها على البحر بجانب الكنيسة المسمية صهيون. ولما رفع الملك عينيه ورأى الماء كمثل الطوفان اغتم جداً. وفى تلك الليلة دخل الأب البطريرك إلى البيعة، وقدّم الصلوات وصار يصلى هو وكل الكهنة والشعب بطول الليل إلى إشراق النور، وقدّموا القداس وأخذوا (أى تناولوا) من السرائر المقدسة جسد السيد المسيح ودمه الكريم. وسرّح الأب كامل الشعب وخرج ووقف قدام البيعة من خارج والملك راكب. وصلى هو والكهنة وسائر الشعب وراءه، ثم رفع الشعب أصواتهم بالصلاة ورفع الأب البطريرك يده بالصليب المقدس وصرخ جميع الحاضرين من فم واحد: كيرياليصون.
الأعجوبة ورفع المياه
وكان الرجل التفاحى المبدأ بذكره واقف خلف الأب البطريرك. وللوقت ارتفعت المياه إلى فوق مقدار أربعين ذراعاً، وصار الماء هارباً مطروداً قدام الناس إلى بحرى، والأب البطريرك وخلفه الرجل التفاحى وجماعة من الكهنة والشعب جميعه والملك وعسكره تابعين له، إلى أن أتوا إلى الدميرتين( ). وكان الوقت قد أمسى فنزلوا فى الجزيرة، وضربوا الخيام فيها للملك وسميت جزيرة سنان إلى اليوم.
ثم من هناك ركبوا كالأول وقامت المياه هاربة قدامهم إلى أن أتوا الزعفرانة بوادى السيسبان، فضربوا الخيام للملك جانب القصر المهدوم( ) الذى تحته جسد القديسة دميانة وجميع الشهداء، ثم جلس الملك فى الخيام.
وأما أبونا الأب البطريرك، فأنه صلى فى ذلك المكان وسجد على الأرض ورفع يده بالصليب، فهربت المياه كالأول والأب والكهنة يمشون وراءه إلى مسافة بعيدة، والماء مطروداً قدامهم يجرى كمثل جرى السحاب فى الريح الشديدة؛ الله العارف أنه هرب مقدار مسافة عظيمة.
ثم التفت الأب البطريرك إلى ورائه فلم يجد معه سوى ذلك الرجل التفاحى المبدأ بذكره، وخمسة كهنة لا غير، وبقية الخلائق عادوا من التعب ورجعوا، فقال الأب البطريرك للذين معه: كفانا يا أولادى إلى ههنا. ثم وقف هو ومن معه وصلى قائلاً: اللهم يا الله يا ضابط الكل أبا ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح خالق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. الذى يعرف ما فى الأعماق وهو جالس فى محل شرف قدسه، الذى أحاط اللجج وألجمها بالرمل سياجاً لئلا يغرق العالم. الآن يا سيدنا اقبل إليك طلباتنا نحن المساكين وأوقف هذه المياه، وأجعل لها سياجاً كما كان أولاً. لتظهر هذه الأعجوبة باسمك أيها القدوس الأبدى، ويصير جسراً مانعاً للمياه القوية، لأنك أنت الذى تخافك سائر الخلائق والقوات وتطيعك كل الطبائع وتخضع لك كل القوات، ولك يجب كل مجد وإكرام الآن وكل آوان وإلى الأبد آمين.
فلما فرغ الأب البطريرك من صلاته وسجد على الأرض هو ومن معه، كانت فى تلك الساعة أعجوبة عظيمة وآية شديدة لا يجب أن نسكت عنها.. تذهل عقول من يراها، وذلك أن الله الأبدى السامع دعاء الصالحين ومخلّص الكثير من الخطاة بطلبات القليل من الأبرار، أثار فى تلك الساعة ريحاً شديدة فى البحر المالح، فارتفعت الأمواج جداً جداً، وأخرجت رملاً كثيراً أكواماً أكواماً، وبقدرة الإله سبحانه صار الرمل جسراً أحسن من الأول. ثم هدأت الريح كأنه لم يكن. فانثنى الأب البطريرك راجعاً، وهو ممجداً لله وشاكراً لاسمه القدوس.
الملك وبناء البيعة
وفيما هو متوجهٌ مقبلٌ إلى أن حضر قدام الخليفة، وسمع به.. قام الخليفة بسرعة وسجد للأب البطريرك على الأرض، فأقامه الأب البطريرك ولم يدعه يسجد له، وقال له: إن لله نسجد كلنا. فقال له الخليفة: الآن تحققت أن دين النصارى هو الحق بالصحة والاستقامة، والآن تمنى علىّ شيئاً اعمله لك. فقال له الأب البطريرك: أريد منك يا مولانا أن تساعدنا بشمول نظركم السعيد فى بناء كنيسة لطيفة فى هذا المحل، لأن لنا فيه أجساد شهداء من أيام الكفرة عباد الأصنام، كانوا قتلوهم بسبب أنهم خالفوهم ولم يسجدوا للأصنام الذهب والفضة. وأن الملك سنان الخليفة أمر للوقت بأن ينظفوا المكان جيداً. وأتى الأب البطريرك وفتح باب الدرج ونزل سراً إلى القبو، فوجد أجساد الشهداء مرصوصين مثل خلايا النحل ومنهم تفوح رائحة ذكية أذكى من المسك والعنبر، ووجد الست الطاهرة العفيفة دميانة على السرير الغالى القيمة والأربعين عذراء حولها بجانب السرير منفردات عن أولئك الشهداء، فتبارك منهم جميعاً وصعد( ).
ثم أمر الملك بسرعة فبنوا فى ذلك المكان بيعة لطيفة بقبة واحدة بحضرة الملك سنان الخليفة؛ وكرّسها الأب البطريرك فى اليوم الثانى عشر من شهر بشنس، وحصل منها فى ذلك اليوم آيات وعجائب قوية وأشفية ومعجزات باهرة وشاع خبرها فى سائر البلاد وتقاطرت إليها الناس بالنذور والشموع والبخور باسم الست دميانة وجميع الشهداء الأبرار أيضاً. فكان تكريسها.. فى مثل هذا اليوم الذى هو ثانى عشر شهر بشنس، أولاً فى زمن.. قسطنطين الملك، وثانياً فى أيام مملكة الاسلام فى عهد البابا خائيل الأول البطريرك (46) الذى تولى الكرسى (743-767م) فى 12 بشنس. وأما الخليفة فتعجب جداً من كثرة القوات والعجائب الحاصلة من هذه البيعة.




















