تداريب روحية - اللطف - للقمص ميخائيل جرجس

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 
المجموعة: مقالات القمص ميخائيل جرجس الزيارات: 6684

اللطف من صفات الله, وقد عبرّ عن ذلك أليعازر الدمشقى المشرف على بيت إبراهيم، حين أرسله إبراهيم ليخطب عروساً لإبنه إسحق "وقال مبارك الرب إله سيدى إبراهيم الذى لم يمنع لطفه وحقه عن سيدى"(1).
وعندما كان يوسف فى السجن أظهر الله له لطفا "ولكن الرب كان مع يوسف وبسط اليه لطفاً وجعل نعمة له فى عينى رئيس بيت السجن"(2).
وداود النبى يقول عن الرب "أنت سراجى يا رب والرب يضئ ظلمتى..  الذى يعلم يدى القتال فتحنى بذراعى قوس من نحاس. وتجعل لى ترس خلاصك ولطفك يعظمنى"(3).
والله يريد أن الانسان يكون لكيفا مثله، لأن اللطف من ثمار الروح القدس حيث يقول بولس الرسول "وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول اناة لطف"(4).
ويقول القديس بولس الرسول أيضاَ أن لطف اللـه يقتاد الانسان إلى التوبة.. "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة"(5).

ويقول أيضاً "لا تستكبر بل خف. لأنه إن كان الله لم يشفق على الأغصان الطبيعية فلعله لا يشفق عليك أيضاَ فهوذا لطف الله وصرامته. أما الصرامة على اللذين سقطوا، وأما اللطف فلك إن ثبت فى الطريق، وإلا فأنت أيضاً ستقطع"(6).
ويقول لتلميذه تيطس "ولكن حين ظهر لطف مخلصنا اللـه وإحسانه. لا بأعمال فى بر عملناها نحن, بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثانى
 (1)-(تك24: 27).    (2)-(تك39: 21).        (3)-(2صم22: 29، 35، 36).
 (4)-(غلا5: 22).        (5)-(رو2: 4).        (6)-(رو11: 20، 21).
وتجديد بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية"(1).

ولكى نتشبه بلطف الله حاول تطبيق التدريبات الآتية :
1- يقول بولس الرسول لأهل أفسس "يرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث "كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً فى المسيح"(2).
 ويقول أيضاً  "ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون وأقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع، ليظهر فى الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا فى المسيح يسوع"(3).
 2- هناك علاقة وثيقة بين المحبة واللطف لذلك يقول بولس الرسول لأهل كورنثوس "لسنا نجعل عثرة في شئ لئلا تلام الخدمة. بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله فى صبر كثير فى شدائد فى ضرورات فى ضيقات فى ضربات فى سجون فى إضطرابات فى أتعاب فى أسهار فى أصوام فى طهارة فى علم فى أناة فى لطف فى الروح القدس فى محبة بلا رياء"(4).
 ويقول القديس بطرس الرسول "كونوا جميعاً متحدى الرأى بحس واحد ذوى محبة أخوية مشفقين لطفاء غير مجازين عن شر بشر أو عن شتيمة بشتيمة بل بالعكس مباركين. عالمين أنكم لهذا دعيتم لكى ترثوا بركة"(5).
 3- علمنا المسيح له المجد أن نكون لطفاء مع الناس .. نفى حديثه مع السامرية قال لها "إعطينى لأشرب(6)، فلما أجابته بجفاء وقالت : أنت يهودى، وأنا امرأة سامرية واليهود لا يعاملون السامريين, فكيف تطلب منى لتشرب"(7) فتكلم معها عــــن الماء الحى ثم قال لها "اذهبى وادعى زوجك .. أجـــابت المرأة

 (1)-(تى3: 4- 7).        (2)-(أف4: 31، 32).    (3)-(أف2: 5- 7).
 (4)-(2كو6: 3- 6).        (5)-(1بط3: 8، 9).    (6)-(يو4: 7).
 (7)-(يو4: 9).    
ليس لى زوج. فقال لها حســــــناً قلتِ ليـــــس لى زوج. لأن كان لكِ خمســــة أزواج والذى لكِ الآن ليس هو زوجك"(1).
كان المسيح يعرف أن ليس لها زوج، ومع ذلك لم يرد أن يحرجها، بل كان لطيفاً معها فى الحديث، حتى جذبها إلى الإيمان، وبواسطتها استطاع أن يجعل كثيرون من أهل السامرة يؤمنون به(2).
بنفس الطريقة كسب بطرس الرسول الذى أنكره ثلاث مرات(3) بكلمة لطيفة قال له "يا سمعان بن يونا أتحبنى أكثر من هؤلاء ؟"(4) ولم يقل له [ أيها الجاحد تنكرنى ثلاث مرات. ومع أنك وعدت أن تضع حياتك بدلاً منى ]. ولكنه تكلم معه بلطف لكى يجذبه إلى الخدمة مرة ثانية.
4- فكر قليلا قبل أن تنطق بكلمات قد تجرح من تكلمه، أو تحرجه فى الكلام ..
السيد المسيح عندما دعا زكا رئيس العشارين(5) للإيمان، لم يقل له انزل يا قصير القامة .. يا خاطئ ... يا سارق أموال الناس .. بل قال له "يا زكا أسرع وأنزل لأنه ينبغى أن أمكث اليوم فى بيتك"(6).
وهنا إكرام لزكا لأن المسيح سيزوره فى بيته لذلك يقول الكتاب "فأسرع ونزل وقبله فرحاً"(7).
5- من القصص اللطيفة التى ذكرها المسيح له المجد فى الإنجيل المقدس قصة الإبن الضال، الذى ظهر فيه الآب بالحنان واللطف فى معاملة إبنه الذى ضل عن الطريق، وذهب إلى كورة بعيدة. فالآب ينتظر إبنه الخاطئ "وإذ كان لم يزل بعيداً رآه أبوه فتحنن وركض(8)، ووقع على عنقه و قبَّله .. وقال الأب لعبيده اخرجوا الحلة الأولى وألبسوه خاتماً فى يده وحذاء فى رجليه.

 (1)-(يو4: 16).            (2)-(يو4: 39).        (3)-(مت26: 75).
 (4)-(يو21: 15).            (5)- من جباة الضرائب المكروهين عند الناس.
 (6)-(لو19: 5).            (7)-(لو19: 6).        (8)- جرى.
وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح"(1).
وأما الأبن الأكبر فغار غيرة مرّة وقال بوقاحة لأبيه "ها أنا أخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك، وجدياً لم تعطنى لأفرح مع أصدقائى. ولكن لما جاء ابنك هذا الذى أكل معيشتك مع الزوانى ذبحت له العجل المسمن"(2).
كلام غير مهذب، وأخطاء كثيرة، وقع فيها الإبن الأكبر ..
أ- لم يرد أن يفرح برجوع أخيه الأصغر الذى قال عنه الأب "ابنى هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد"(3).
ب- لم أتجاوز وصيتك .. كبرياء وغرور .. هذه العبارة لم يقلها الأنبياء أو الرسل .. لأن الجميع زاغوا فسدوا معاً "ليس من يعمل صلاحاً ولا واحد"(4).
ج- قال لأبيه "ولما جاء ابنك"، ولم يقل لما جاء أخى .. وهذه عدم لياقة في الكلام.
د- إذ أن أخيه عندما قال عنه "الذى أكل معيشتك مع الزوانى".
ه- وصف أبوه بالبخل عندما قال "وجدياً لم تعطنى لأفرح مع أصدقائى".. مع إنه عايش فى خير أباه.  
ولكن الأب الحنون، وهو يشير إلى الله الآب- يعامله بكل حنان ورفق ولطف ويقول له "يا ابنى أنت معى كل حين. وكل ما لى هو لك".. لم يوبخه على كلامه الخاطئ، ولم يعاتبه لهذه المعاملة القاسية له، ولأخيه الأصغر.
6- لتكن معاملاتك لطيفة فى الكلام وفى السلوك أيضاً .. ويروى لنا الكتاب المقدس عن قصة المرأة الخاطئة التى ضبطت فى ذات الفعل، ووقعت فى أيدى الناس.. فجـــــروها فى الشـــــوارع وأهـــانــــوها وفضحـــوهــــا، ثم أحضــــروهـــــا

 (1)-(لو15: 20- 23).        (2)-(لو15: 29).        (3)-(لو15: 22).
 (4)-(رو3: 12).            
للمسيح ليحكم عليها .. وقالوا له ما رأيك ؟ وما حكمك عليها ؟ إن شريعة موسى تحكم عليها بالرجم !!
وياليت هؤلاء الناس كانوا أبراراً .. ولكنهم كانوا خطاة أشرار .. لذلك قال لهم المسيح "من كان منكم بلا خطية فليرجمها أولاً بحجر"(1).
وابتدأ المسيح يكتب خطاياهم على الأرض .. فانسحبوا واحداً تلو الآخر .. فنظر إليها يسوع بلطف وحنان، وقال لها "أين هم المشتكون عليكِ أما دانك أحد ؟ فقالت لا أحد يا سيد .. فقال لها يسوع ولا أنا أدينك اذهبى بسلام ولا تخطئى أيضاً"(2).
7- رَاعِى شـعور الناس الذين تتعامل معهم .. ويروى لنا الإنجيل قصة المولود أعمى الذى شفاه المسيح، ولكن اليهود أخرجوه من المجمع لأنه "تعاهدوا أنه إن اعترف أحد بأنه المسيح يُخرَج من المجمع"(3).
"فشتموه وقالوا أنت تلميذ ذاك"(4).
"فسمع يسوع أنهم اخرجوه خارجاً فوجده وقال له أتؤمن بابن الله .. فقال أؤمن وسجد له"(5).
8- لا تدين أحداً، بل اترك الدينونة لله وحده، وكن لطيفاً مع كل الناس حتى مع الذين تعتقد أنهم خطاه، لأنك أنت أيضاً تحت الدينونة ..
 ويروى لنا القديس لوقا الانجيلى قصة المرأة الخاطئة التى دخلت فى بيت سمعان الفريسى "وأخذت قارورة طيب ووقفت من ورائه عند رجليه باكية وبدأت تبل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعر رأسها. وكانت تقيل قدميه وتدهنهما بالطيب فلما رأى الفريسى الذى دعاه تكلم فى نفسه قائلاً لو كان هـــذا نبياً لعلم من هذه المرأة التى تلمسه وماهى .. إنها خاطئة"(6).

 (1)-(يو8: 7).            (2)-(يو8: 10).        (3)-(يو9: 22).
 (4)-(يو9: 28).            (5)-(يو9: 35- 38).    (6)-(لو7: 38، 39).       
فلما لاحظ المسيح أنه أدانه بفكره "لو كان هذا نبياً"، وأدان المرأة أيضاً "إنها خاطئة" .. ضرب له مثلاً لطيفاً لكى يعلمه كيفية الحديث ..
"وقال له يا سمعان عندى شئ أقوله لك. فقال قل يا معلم. كان لداين مديونان على الواحد خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون. وإذا لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعاً، فقل أيهما يكون أكثر حباً له. فأجاب سمعان وقال أظن الذى سامحه بالأكثر. فقال له بالصواب حكمت"(1).
وابتدأ المسيح يقارن بين محبة المرأة الخاطئة ومحبة سمعان قائلاَ له :
أ‌-    إنى دخلت بيتك وماء لأجل رجلى لم تعطِ. وأما هى فقد غسلت رجلى بالدموع، ومسحتهما بشعر رأسها.
ب‌-     بقبلة لم تقبلنى. وأما هى فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل قدمىّ.
ج- بزيت لم تدهن رأسى. وأما هى فقد دهنت بالطيب رجلىّ.
 د- من أجل هذا أقول لك لقد غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً.  والذى يحب قليل يغفر له قليلاً.
ه- ثم قال لها مغفورة لكِ خطاياكِ. إيمانك قد خلصك إذهبى بسلام. وهنا قد أعطى المسيح درساً لسمعان عن عدم الإدانة، وعن المحبة الكثيرة التى تسامح الآخرين، وعن لطف الله الذى يعاملنا بكل محبة.
9- إبعد عن الغضب ومضاره، فالكتاب المقدس يقول "الرجل الغضوب يهيج الخصام، وبطئ الغضب يسكن الخصام"(2).
فسليمان الحكيم يقول أيضاً "لا تصطحب غضوباً، ومع رجل ساقط لا تجئ لئلا تألف طرقه وتأخذ شركاً لنفسك"(3).
ويقول أيضاً "لا تسرع بروحك إلى الغضب، لأن الغضب يستقر فى حضن
الجهّال"(4).
 (1)-(لو7: 40- 43).        (2)-(أم15: 8).        (3)-(أم22: 24).
 (4)-(جا7: 9).
ويقول يعقوب الرسول "إذاً يا إخوتى الأحباء ليكن كل إنسان مسرعاً فى الإستماع، مبطئاً فى التكلم. مبطئاً فى الغضب. لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله"(1).
وسليمان الحكيم يقول أيضاً "الجواب اللين يصرف الغضب، والكلام الموجع يهيج السخط، لسان الحكماء يحسن المعرفة وفم الجهال ينبع حماقة"(2).
فالغضب ضد اللطف، ولكن الكلام الحلو يساعد الإنسان على التدريب على اللطف.
10- ألتمس الأعــذار للناس، فتكون لطيفاً معهم ..
إن من صفات اللطف ألا نغضب من الناس بسرعة، فإن أخطأوا إليك حاول أن تلتمس الأعذار لهم، كما فعل السيد المسيح وعلمنا وهو على الصليب قائلاً لصالبيه "يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون"(3).
وتبعه فى ذلك إسطفانوس رئيس الشمامسة الذى "جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم يارب لا تقم لهم هذه الخطية"(4). وكانوا يرجمونه بالحجارة حتى الموت.  

 (1)-(يع1: 19).            (2)-(أم15: 1).        (3)-(لو23: 34).
 (4)-(أع7: 10).