الصلاح جاءت من كلمة صالح، ولا يوجد صالح إلا الله وحده .. كما قال السيد المسيح للشاب الغنى "ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله"(1).
لذلك يقول داود النبى "الكل قد زاغوا وفسدوا. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد"(2).
ويقول أيضاً "الرب صالح ومستقيم لذلك يعلم الخطاة الطريق"(3).
والصلاح ثمرة من ثمار الروح القدس "وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة صلاح إيمان ..."(4).
لذلك فصلاح الإنسان نسبى وليس كاملاً كالله ..
وفى قصة الشاب الغنى الذى قابل السيد المسيح، وقال له "أيها المعلم الصالح أى صلاح أعمل لتكون لى الحياة الأبدية. فقال له لماذا تدعونى صالحاً ليس أحد صالحاً إلا واحد وهـو الله ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له أية الوصايا فقال يسوع لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور. أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك. قال له الشـاب هذه كلها حفظتها منذ حداثتى فماذا يعوزنى بعد. قال له يسـوع إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعال اتبعنى. فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة"(5).
إذن كان هذا الشاب له رغبة فى أن يكون صالحاً ليرث الحياة الأبدية، ولكن كان عنده عائق كبير وهو المال .. محبة المال .. الاتكال على المال.
لذلك قال القديس بولس "محبة المال أصل لكل الشرور الذى إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة"(6).
(1)- (مت19: 17). (2)- (مز14: 3). (3)- (مز25: 8).
(4)- (غلا5: 22). (5)- (مت19: 16، مر10: 17، لو18: 18).
(6)- (1تى6: 10).
وفى مثال الشاب الغنى نستنتج أن الإنسان الذى يريد أن تكون له الحياة الأبدية يجب أن يحفظ الوصايا ويعمل بها ويثبت فى محبة الله، فالسيد المسيح له المجد أوصى تلاميذه بحفظ الوصايا "إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى كما أنى أنا حفظت وصايا أبى وأثبت فى محبته"(1).
وقد أعطاهم مثلاً جميلاً قائلاً "أنا الكرمة الحقيقية وأبى الكرام. كل غصن فى لا يأتى بثمر ينزعه وكل ما يأتى بثمر ينقيه ليأتى بثمر أكثر. أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذى كلمتكم به. اثبتوا فى وأنا فيكم كما أن الغصن لا يقدر أن يأتى بثمر من ذاته إن لم يثبت فى الكرمـة كذلك أنتـم أيضاً إن لم تثبتوا فىّ. بدونى لاتقدرون أن تفعلوا شيئاً أنا الكرمة وأنتم الأغصان الذى يثبت فى وأنا فيه هـذا يأتى بثمر كثير لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً. إن كان أحد لا يثبت فى يُطرح خارجاً كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه فى النار فيحترق"(2).
والذى يريد أن يحيا فى الصلاح يحاول أن يطبق التدريبات الآتية :
1- أول تدريب هو محبة الله من كل القلب.. فمحبة الله تجعل القلب صالحاً وداود النبى أحب الرب من كل قلبه حيث أن الله شهد له قائلاً "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبى الذى سيصنع كل مشيئتى"(3).
لذلك قال رب المجد " الإنسان الصالح من الكنز الصالح فى القلب يخرج الصالحات والإنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور"(4).
وكان داود النبى يترنم باسم الرب دائماً معبراً عن محبته الكبيرة للرب فيقول "أبتهج أنا بكلامك كمن وجد غنيمة وافرة أبغضت الكذب وكرهته أما شريعتك فأحببتها سبع مرات فى النهار سبحتك على أحكام عدلك، وحفظت نفسى شهاداتك وأحبها جداً حفظت وصاياى وشهاداتك لأن كل طرقى أمامك"(5).
(1)- (يو15: 7). (2)- (يو15: 1- 6). (3)- (أع13: 22).
(4)- (مت12: 35). (5)- (مز119: 162).
2- وأيضاً يجب أن يكون قلبك نقياً، فالسيد المسيح له المجد طوّب أنقياء القلب قائلاً لهم "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله"(1).
وضرب لتلاميذه مثلاً على القلب الجيد قائلاً "خرج الزارع ليزرع زرعه وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فانداس وأكلته طيور السماء. وسقط آخر على الصخر فلما نبت جف لأنه لم تكن له رطوبة. وسقط آخر فى وسـط الشوك فنبت معه الشوك وخنقه. وسـقط آخر فى الأرض الصالحـة فلما نبت صنع ثمراً مئة ضعف قال هذا ونادى من له أذنان للسمع فليسمع. فسأله تلاميذه قائلين ماعسى أن يكون هـذا المثل. فقال لكم قـد أعطى أن تعرفـوا أسـرار ملكوت الله وأما للباقين فبأمثال حتى أنهم مبصرين لا يبصرون وسـامعين لا يفهمون. وهذا هو المثل الزرع هو كلام الله. والذين على الطريق هم الذين يسمعون ثم يأتى إبليس وينزع الكلمة من قلوبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا. والذين على الصخر هم الذين متى سمعوا يقبلون الكلمة بفرح وهؤلاء ليس لهم أصل فيؤمنون إلى حين وفى وقت التجربة يرتدون. والذى سقط بين الشوك هم الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون من هموم الحـياة وغناها ولـذاتها ولا ينضجون ثمراً. والذى فى الأرض الجـيدة هـو الذين يسـمعون الكلمة فيحفظونها فى قلب جيد صالـح ويثمرون بالصبر"(2).
3- يجب أن تكون عينك بسيطة ..
فرب المجد يقول "سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً"(3).
ويقول سليمان الحكيم "الصالح العين هو يبارك لأنه يعطى بعض من خبزه للفقير"(4).
ثم يحذرنا من العين الشـريرة فيقول "لا تأكـل خبز ذى عين شـــــريرة ولا تشته أطايبه. لأنه كما شعر فى نفسه هكذا هو يقول لك كل واشرب وقلبه ليس معك.
(1)- (مت5: 8). (2)- (لو8: 5- 15).
(3)- (مت6: 22). (4)- (أم22: 9).
اللقمة التى أكلتها تتقياها وتخسر كلماتك الحلوة"(1).
ويقول داود النبى "مستكبر العين ومنتفخ القلب لا أحتمله"(2).
4- لا تسمع الكلام الردئ بل الكلام الجيد فقط، يقول سليمان الحكيم "وجه قلبك إلى الأدب وأذنيك إلى كلمات المعرفة"(3).
ومن أجمل الكلمات التى سمعتها أليصابات زوجة زكريا الكاهن هو سلام مريم العذراء عندما زارتها فى جبال يهوذا "فلما سمعت أليصابات سلام مريم ارتكض الجنين فى بطنها وامتلأت أليصابات من الروح القدس"(4).
ويخبرنا القديس لوقا عن مريم أخت لعازر كانت تسمع كلام المسيح، لذلك قال رب المجد لأختها "مرثا مرثا أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد فاختارت مريم النصيب الصالح الذى لن ينزع منها"(5).
5- أسرع إلى كل عمل صالح حتى يكون لك النصيب الصالح .. والرسول بولس يقول لأهل كورنثوس "والله قادر أن يزيدكم كل نعمة لكى تكونوا ولكم كل إكتفاء كل حين فى كل شئ تزدادون فى كل عمل صالح"(6).
ويقول لأهل كولوسى "لتسلكوا كما يحق للرب فى كل رضى. مثمرين فى كل عمل صالح ونامين فى معرفة الله"(7).
ويقول أيضاً لأهل تسالونيكى "وربنا نفسه يسوع المسيح والله أبونا الذى أحبنا وأعطانا عزاءً أبدياً ورجاءً صالحاً بالنعمة يعزى قلوبكم ويثبتكم فى كل كلام وعمل صالح"(8).
6- يجب أن تكون أفكارك نقية لكى توجهك إلى الصلاح، ويقول سليمان الحكيم "أفكار الصديقين عدل. تدابير الأشرار غش. بحسب فطنته يُحمد الإنسان أما الملتوى القلب فيكون للهوان"(9).
(1)-(أم23: 6). (2)- (مز101: 5). (3)- (أم23: 12).
(4)- (لو1: 41). (5)- (لو10: 41). (6)- (2كو9: 8).
(7)- (كو1: 10). (8)- (2تس2: 17). (9)- (أم12: 5- 8).
ويقول أيضاً "إلق على الرب أعمالك فتثبت أفكارك. قلب الإنسان يفـكر فى طريقه والرب يهدى خطوته"(1).
7- تمثل بطابيثا الذى ذكرها سفر الأعمال بأنها كانت ممتلئة أعمال صالحة "وكان فى يافا تلميذة إسمها طابيثا الذى ترجمته غزالة هذه كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحسانات كانت تعملها"(2).
ولما ماتت أرسلوا إلى بطرس الرسول لكى يقيمها. ويقول الكتاب " فلما وصل صعدوا به إلى العلية فوقفت لديه جميع الأرامل يبكين ويرين أقمصة وثياباً مما كانت تعمل غزالة وهى معهن"(3).
كانت متخصصة فى خدمة الأرامل، وهى خدمة صالحة يا ليتنا نتعلم منها ..
8- الرب يريد أن يرى منا ثمار العمل الصالح، لذلك ضرب لنا مثلاً عن العبد الصالح الذى استحق أن يدخل ملكوت السموات .. فقال "وكأنما إنسان مسافر دعا عبيده وسـلمهم أمواله. فأعطى واحداً خمـس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة كل واحد على قدر طاقته وسافر للوقت. فمضى الذى أخـذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات أخر. وهكذا الذى أخـذ الوزنتين ربح أيضاً وزنتين أخريين. وأما الذى أخـذ الوزنة فمضى وحفر فى الأرض وأخفى فضة سيده. وبعد زمان طويل أتى سيد أولئك العبيد وحاسبهم. فجاء الذى أخذ الخمس وزنات وقدم خمس وزنات أخر قائلاً يا سيد خمس وزنات سلمتنى هوذا خمس وزنات أخر ربحتها فوقها. فقال له سيده نعماً أيها العبد الصالح والأمـين كنت أمينا فى القليل فأقيمك على الكثير أدخل إلى فرح سيدك"(4).
أما صاحب الوزنة الواحدة فقال "يا سيد عرفت انك انسان قاس تحصد حيث لم تزرع وتجمـع حيث لم تبذر. فخفـت ومضيت وأخفيت وزنتك فى الأرض هوذا الذى لك. فأجاب سـيده وقال لـه أيها العبد الشرير والكسلان عرفت أنى أحصـد حيث لم أزرع وأجمع من حيث لم أبذر. فكان ينبغى أن تضـع فضتى عند الصيارفة فعند مجيئى كنت أخـذ الذى لى مع ربا. فخـذوا منه الـوزنـة وأعطوها
(1)- (أم16: 3- 9). (2)- (أع9: 36). (3)- (أع9: 39).
(4)- (مت25: 14- 21).
للذى له العشر وزنات. لأن كل من له يعطى فيزداد ومن ليـس لـه فالذى عنده يؤخذ منه. والعبد البطال إطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان"(1).
9- إن الحساب الاخير سيكون على أساس أعمال المحبة التى صنعتها، والثمر الذى تثمر به ومنه الصلاح .. لذلك تقرأ فى إنجيل متى كيف يتم الحساب "ومتى جاء إبن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسى مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعى الخـراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقـول الملك للـذين عن يمينـه تعالـوا يا مباركى أبى رثـوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم.لأنى جعت فأطعمتمونى عطشت فسقيتمونى كنت غريباً فأويتمونى. عريانـاً فكسيتمونى مريضاً فزرتمونى محبوسـاً فأتيتم إلىّ. فيجيبه الأبـرار حينئذ قائلين يارب متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عطشاناً فسقيناك. ومتى رأيناك غريباً فأويناك أو عرياناً فكسوناك. ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك . فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحـد إخـوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم. ثم يقول أيضا للذين عن اليسار اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النـار الأبدية المعدة لابليس و ملائكته"(2).
10- هناك تطويب للصالحين .. فيقول بولس الرسول لأهل رومية "مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح"(3)، ويقول القديس يوحنا الرسول "لا تتعجبوا من هذا فإنه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين فى القبور صوتـه فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامـة الحـياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة"(4).
ومن أجمل كلمات المزامير عن الرجل الصالح هو "صالح هـو الرجل الذى يترآف ويقرض ويدبر أقواله بالحق لأنه لا يتزعزع إلى الدهر.. فرق أعطى المسكين بره دائم إلى دهر الدهور يرتفع قرنه بالمجد"(5).
(1)- (مت25: 24- 30). (2)- (مت25: 31- 41). (3)- (رو2: 10).
(4)- (يو5: 29). (5)- (مز110: 4).
