الإنسان الروحى يحيا فى تعفف .. فى كل شئ .. لا يشتهى شيئاً، بل يضبط نفسه فى كل أمور حياته، كما قال القديس أغسطينوس [ جلست على قمة العالم عندما لم اشته شيئاً ولا يسيطر على شئ ].
والتعفف يشمل عفة الجسد والنفس والروح، وعفة الحواس (النظر والسمع واللمس) وعفة اللسان، وعفة الفكر، وعفة القلب أيضاً.
وعفة اللسان معناها أن يبعد الإنسان عن النطق بأية كلمة بطالة كما قال رب المجد "كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس يعطى عنها حساباً فى يوم الدين"(1).
اللسان العفيف لا ينطق بأية كلمة جارحة .. سواء شتيمة أو كلام استهزاء .. لذلك قال السيد المسيح فى عظته على الجبل "من قال لأخيه رقاً يكون مستوجب المجمع، ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم"(2).
الإنسان العفيف يستطيع أن يلجم لسانه فلا ينطق بالأباطيل أو يتكلم بالأكاذيب كما قال القديس يعقوب الرسول "إن كان أحد فيكم يظن أن دَين وهو ليس يلجم لسانه بل يخدع قلبه فديانة هذه باطلة"(3).
ويقول أيوب الصديق "إنه ما دامت نسمتى فىّ ونفخة الله فى أنفى لن تتكلم شفتاى إثماً ولا يلفظ لسانى بغـش"(4).
وداود النبى يقول "قلت أتحفظ لسبيلى من الخطأ بلسانى"(5).
ويقول أيضاً "يا إله تسبيحى لا تسكت لأنه قد انفتح علىّ فم الشرير وفم الغش. تكلموا معى بلسان كذب وبكلام بغض أحاطوا بى وقاتلونى بلا سبب"(6).
والتعفف من ثمار الروح القدس حيث يقول بولس الرسول "وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفف"(7).
(1)-(مت12: 36). (2)-(مت5: 22). (3)-(يع1: 26).
(4)-(أى27: 3). (5)-(مز39: 1). (6)-(مز109: 1- 3).
(7)-(غلا5: 22).
لذلك لكى تقتنى فضيلة التعفف حاول تطبيق التدريبات الآتية :
1- يصف داود النبى اللسان العفيف بأنه فى "فم الصديق يلهج بالحكمة ولسانه ينطق بالحق. شريعة إلهه فى قلبه لا تتقلقل خطواته"(1).
ويقول سليمان الحكيم "كثرة الكلام لا تخلو من معصية. أما ضابط شفتيه فعاقل. لسان الصديق فضة مختارة"(2).
ويقول أيضاً "من يتفوه بالحق يظهر العـدل، والشـاهد الكاذب يظهر غشاً.. لسان الحكماء فشفاء"(3).
فاللسان العفيف هو لسان مؤدب ومهذب، ويزن كل كلمة يلفظ بها، ولا يتكلم كلاماً نابياً أو معيباً. وقد تعود على لغة التخاطب المؤدبة وكما يسمونها أدب الحوار.
2- عفة اللسان ترتبط أيضاً بعفة القلم أى الكتابة .. فلا يشهر بأحد ولا يعمد إلى أى إهانة أحد .. ويبعد عن الإشاعات المغرضة الكاذبة، بل يكتب بنزاهة وعفة.
وأيضاً النقد البناء الذى يهدف إلى إظهار الحق فقط، وليس إلى مهاجمة الآخرين بسبب غيرة أو إنتقام.
3- التعفف يشمل عفة القلب وعفة الفكر، وقد قال رب المجد "الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر فإنه من فضلة القلب يتكلم فمه"(4).
إذن عفة القلب تسبق عفة اللسان.
لذلك قال سليمان الحكيم "فوق كل تحفظ إحفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة"(5).
ويقول داود النبى "قلباً نقـــــياً اخـلـــــق فىّ يا اللــــــه وروحــــاً مســـــتقـــيمــــاً جــــــدده فى
(1)-(مز37: 30، 31). (2)-(أم10: 19، 20). (3)-(أم12: 27).
(4)-(لو6: 45). (5)-(أم4: 23).
أحشائى"(1).
وقال رب المجد عن القلب الجيد "الذى فى الأرض الجيدة هو الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها فى قلب جيد ويثمرون بالصبر"(2).
وعفة القلب تشمل عفة المشاعر والعواطف والأحاسيس والمقاصد والنيات والرغبات.
4- أما عفة الجسد فتشمل كل ما يتعلق بالجسد .. من مأكل ومشرب وملبس وكل استخدامات الجسد الأخرى.
لذلك قال القديس يوحنا الرسول "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة"(3).
وقد استخدام الشيطان هذه الشهوات الثلاثة فى محاربة المسيح له المجد الذى قال له "مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله .. مكتوب أيضاً لا تجرب الرب إلهك .. مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد"(4).
وقد سمح المسيح بهذه التجارب لكى يعلمنا كيف نرد على الشيطان عندما يحاربنا.
ويقول القديس بولس الرسول "لا تملكن الخطية فى جسدكم المائت لكى تطيعوها فى شهواته ولا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر لله"(5).
5- الصوم له فائدة جميلة فى ضبط النفس والجسد والروح لذلك يقول بولس الرسول "أقمع جسدى وأستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً"(6).
ويقول أيضــــاً "امتنعوا عن كل شـــــبه شـــــــر وإلـــــه الســـــلام نفسه يقدسكم بالتمام،
(1)-(مز50: 1). (2)-(لو8: 15). (3)-(1يو2: 15، 16).
(4)-(مت4: 1- 10). (5)-(رو6: 12، 13). (6)-(1كو9: 27).
ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجئ ربنا يسوع المسيح"(1).
6- الجهاد ضد الخطية ومقاومتها تجعل الإنسان عفيفاً فى كل شئ، فيوسف الصديق قاوم الخطية التى عُرضت عليه من امرأة فوطيفار وقال "كيف أفعل هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله"(2).
لذلك يوبخ بولس الرسول أهل العبرانيين قائلاً لهم "لم تقاوموا بعد حتى الدم، مقاومين ضد الخطية"(3).
وداود النبى والملك لم ينجح فى مقاومة إغراء الخطية وسقط فيها بالرغم من أنه كانت له سبع زوجات !!
7- إجعل نظرك عفيفاً أى ابعد عن كل نظرة شريرة أو شهوانية ..
يقول أيوب الصديق "عهداً قطعت لعينى فكيف أتطلع إلى عذراء"(4).
والسيد المسيح له المجد قال "إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه"(5).
وليس النظر إلى النساء فقط، فأمنا حواء نظرت إلى شجرة معرفة الخير والشر "رأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر"(6)، فأكلت منها وسقطت.
8- إجعل أذنك أيضاً عفيفة .. الأذن العفيفة هى التى لا تتصنت على غيرها، وهى التى لا تسمح بأى كلام شرير أو غير نافع يدخل إليها أو أحاديث شهوانية، أو مذمة الغير، أو حكايات عن سقوط آخرين، والشماتة فيهم.
يقول سليمان الحكيم "لا تفرح بسقوط عدوك ولا يبتهج قلبك إذا عثر لئلا يرى الرب ويسوء ذلك فى عينيه"(7).
يقول أيوب الصديق "الأذن تمتحن الأقوال كما أن الحنك يستطعم طعامه"(8).
ويقول سليمان الحكيم "وجه قلبك إلى الأدب وأذنيك إلى كلمات المعرفة"(9).
(1)-(1تس5: 22، 23). (2)-(تك39: 9). (3)-(عب12: 4).
(4)-(أى31: 1). (5)-(مت5: 28). (6)-(تك3: 6).
(7)-(أم24: 17، 18). (8)-(أى12: 11). (9)-(أم 23: 12).
الأذن العفيفة لا تسمع إلا الكلام الروحى الصالح وترفض سماع الكلام الشرير أو الأغانى الخليعة أو كلام العالم الباطل.
لذلك يطوب أشعياء النبى الرجل "السالك بالحق والمتكلم بالاستقامة الراذل مكسب المظالم النافض يديه من قبض الرشوة الذى يسد أذنيه عن سـمع الدماء ويغمض عينيه عن النظر إلى الشر"(1).
ومن أجمل ما سمعت أليصابات هو سلام مريم العذراء حين زارتها لذلك تقول "فهوذا حين صار صوت سلامك فى أذنى ارتكض الجنين فى بطنى"(2).
9- الإنسان العفيف أيضاً لا يلمس ممتلكات غيره أو يسلب حقوق غيره ولا يطمع فى الربح القبيح.
ويشترط بولس الرسول فى الأسقف أن يكون "بلا لوم عاقلاً محتشماً مضيفاً للغرباء صالحاً للتعليم غير مدمن الخمر ولا ضراب ولا طامع بالربح القبيح بل حليماً غير مخاصم ولا محب للمال"(3).
ويقول أيضاً لأهل كورنثوس "لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور. ولا سارقون ولا طماعون ولا سـكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله"(4).
10- إجعـل العفـة هـدفـاً فى حياتك لا تتزعزع عنه، مدرباً كل حواسك نحـوه .. ناظراً إلى موطننا الأصلى الذى هـو السـماء .. مشتاقاً أن يكون لك نصيب مع القديسين.
(1)-(أش33: 15). (2)-(لو1: 40- 44).
(3)-(1تى3: 2، 3). (4)-(1كو6: 9، 10).
