رائحة الأرض امتزجت برائحة البخور، شبة قديس وشبة جزيرة يطلان من خلف بريق عينيه، الوجه مثل سيناء ،مثلث مقلوب ،الذقن البيضاء الكثة رمال وأحراش، الوجنتان .. هضبتان ،الأنف جبل مقوس يحتضن الوادي وما بين كثبان الذقن ومرتفعات الجبهة ،عبرنا إلى الأنبا قزمان، مطران شمال سيناء من خلال دروب ابتسامته ،التي تعكس سلاماً ليس من هذا العالم المضطرب العاجز عن صنع السلام ،بل من الله صانع السلام، كنت بصحبة صديقين ،كمال سليمان عضو مجلس الشوري المنحل ،والمهندس فايق جرجس الخادم والناشط، في الطريق إلى الأنبا قزمان ،كانت هموم سيناء ووعورة الموقف تثقل قلوبنا ،خاصة وأن المطران ودع منذ أسابيع سكرتيرة الخاص ،الأب مينا عبود ،واستقبل مقتل مجدي لمعي بعد اختطافه، والآن ينتظر مصير مختطف آخر وهو الشاب مينا متري (19)سنة، ناهيك عن الحرب الدائرة في سيناء الآن، سقطت كل هذه الهموم حينما وقف الرجل ومد يده لنا بالسلام ،"وقد إية القلب يعشق لو سمع كلمة سلام"، وكما يقول "برناردشو"(دع الموسيقي تتحدث عن نفسها)قال: *"في سيناء ايبارشيتين ،جنوب سيناء ومطرانها الأنبا أبوللو ،وشمال سيناء ،ايبارشيتي شمال سيناء بها (450)أسرة ،وسبعة كنائس، أول كنيسة كانت كنيسة مار جرجس برفح 1939،الكنائس من الخارج لا تبدو كنائس من حيث المظهر والصلبان ،وذلك ارتباطا بطبيعة البيئة التي نعيش فيها، علاقاتنا مع أشقائنا البدو أبناء سيناء ممتازة ،عشنا في وئام ومحبة حتى 28 يناير 2011،حدث ما يشبه الزلزال. وبدأت جماعات لم نكن نشاهدها من قبل في الظهور، وبدأت ما يشبه الفوضى وطالت الجميع". الاضطهاد لمصر قبل الأقباط: ايقونة مار مينا في خلفية المشهد، يرتدي الزي العسكري ،ويحمل رمحه، مفارقة لها دلالتها، الأنبا قزمان ترهبن في دير مار مينا بكنج مريوط ،وشفيع الدير قائد عسكري ،بطل وشهيد، أكمل الأنبا قزمان : *"أ صبحت مطراناً لشمال سيناء منذ (12)عاماً ،الأقباط في سيناء عادوا مثل أشقائهم في الوطن بعد تحرير سيناء، وأغلبهم موظفين ،ومنهم تجار ،وحرفيين ،وغالبيتهم أقل من المتوسط لذلك الإيبارشية فقيرة ،معظمهم يعملون صباحاً ومساءً، الأجيال الشابة مرتبطون بالكنيسة أكثر ،خدام ،ولكننا نحاول في إعداد الخدام ،ونحتاج لذلك أكثر من الاحتياج المالي ،والشاب المختطف مينا متري فقير ونحن أيضا فقراء ،والكنيسة بغض النظر عن أنها لا تملك مالاً فهي لا تريد أن تتدخل في مثل هذه الأمور، ونحن نضع مثل هذه الأمور أمام الرب والدولة، ونعلم أن الاتصالات بالشرطة صعبة لأن الاتصالات في سيناء غاية في الصعوبة، والآن الشرطة مضطهدة ،والكنائس لا يحرسها إلا الله ،ولكن الحياة تسير" بركة الكنيسة واطعام الفراخ!! *"منذ 28 يناير 2011 بدأت الفوضى ،والجميع عانوا وفي مقدمتهم الاقباط ،والبداية كانت مضايقات، خاصة في رفح ووزع منشورا مكتوب بخط اليد ،وبلغة ركيكة، ولكن الأسر القبطية في رفح طلبت من سكرتير المحافظة الانتقال للعريش ،بعضهم تم نقلة والبعض الآخر انتدابه ،ولكنهم جميعا حينما يغلبهم الحنين يذهبون الي هناك "،اتسعت أسارير الأنبا قزمان وهو يكمل:" حين أسألهم لماذا تذهبون تحت الخطر إلى رفح؟ يردون:" نأخذ بركة من الكنيسة ونسقي الزرع، ونطعم الفراخ!!" شعرت أنني امام ابطال يعيشون قصصاً أسطورية ،وسط كل هذا القتل والدمار يهتمون بالكنيسة المغلفة ،والطيور ،والنباتات، عكس ما يحدث في رابعة وجنينة الأورمان؟ تنهد وأكمل: *"الكنيسة في رفح مغلقة ،والقوات المسلحة حتي الآن تضعها في الاعتبار ،وكشفت مخطط لتفجيرها ولكن الله ستر، والمسئولون العسكريون يحترموننا ويرحبون بنا، وحين كان منير موافي محافظا حل لنا جميع مشاكلنا، ولكن نحن نعلم قدر الحمل الملقي على عاتق القوات المسلحة ،لكننا نحتاج من القادة العسكريين مزيداً من الدعم لنا في سيناء ،وسأكون سعيداً لو حدثت لقاءات بيننا، حتي يشعر الأقباط في سيناء بالتضامن معهم" الله يحمينا فلماذا نهاجر؟ كمال سليمان وفايق جرجس قالا للأنبا قزمان : هل من الأفضل تهجير الأسر المسيحية حرصاً عليهم؟ في حرب الاستنزاف هجرت الدولة أبناء القنال ،ما رأيك ؟ ظهرت تجاعيد الحيرة على جبين "سيدنا" ،ابتلع ما تبقي من لعاب في الحلق ،خرجت كلماته بهدوء راهب من القرن الرابع الميلادي: *"ولماذا نهاجر؟ ما ينطبق علينا ينطبق علي الجميع ،في حرب الاستنزاف الدولة طلبت ذلك ولكن الآن الدولة لم تطلب ،والاقباط في سيناء لا يريدون ذلك، ولن يتخلون عن دماء شهدائهم وشهداء الوطن ،وسنظل هنا باقون ،نحتمل الآلام من أجل الوطن والمسيح الذي لازالت آثار خطواته باقية على تلك الأرض المقدسة". تركنا الرجل ،ولكن بطولته ووطنيته وقداسته لم تتركنا ،تذكرت أبيات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد : "أناديكم أناديكم أشد على أياديكم أبوس الأرض تحت نعلكم وأقول أفديكم أنا ماهنت في وطني ولا عرضت أكتافي وقفت بوجه ظلامي مسيحاً عارياً حافي وصنت العشب الأخضر تحت قبور أسلافي"
