قصة من تاريخ الكنيسة

البابا بطرس الجاولى و قيصر روسيا

03 كانون2/يناير 2010

على الرغم من قرون كثيرة من الاضطهاد مازالت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحيى في مصر حتى الآن وذلك تحقيقا لنبوة إِشَعْيَاءَ النبي (القرن الثامن ق.م.): "فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ...

القديس يوحنا أبو نجاح الكبير

03 كانون2/يناير 2010

كان كبير كتاب الديوان في عصره. كما كان مقدم الأراخنة في عهد الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي. وقد عاصر هذا الشيخ البابا فيلوثاؤس البطريرك 63 (979-1003م) للكنيسة القبطية.

أنا وابنه الكاهن الوثنى

03 كانون2/يناير 2010

بعد سنوات منحياتى الرهبانيه . دخل الفتور قلبى فكنت أهرب من أب اعترافى ..واهمل ممارساتىا لروحيه واتعلل بشتى الحجج والمعاذير حتى لا اشارك اخوتى الصلاه ..

البابا بطرس الجاولى البطريرك ال109 و الأنبا صرابامون ابو طرحة

03 كانون2/يناير 2010

وفى مثل هذا اليوم من سنة 1568 ش (5 أبريل سنة 1852 م ) تنيح القديس البابا بطرس السابع لبطريرك ال 109 . ولد هذا الأب بقرية الجاولى مركز منفلوط...

الملك حسان بن عتاهية و المعجزة الشهيرة التى تراجعت فيها مياه البحر أمام صلوت البابا و القديس التفاحى

03 كانون2/يناير 2010

يقول الأنبا يوأنس في ميمره " ثم هدمت كنيسة الشهيدة دميانة الوضوع بها جسدها و أجساد الأربعين عذراء الذين أستشهدوا على يد دقلديانوس لرفضهم عبادة الأوثان، هذه الكنيسة قد هُدمت...

ده مكنش شماس يا ابويا

11 أيار 2010

فى عهد قداسة البابا كيرلس السادس اصر على ان يكون هناك حالة من السهر الدائم فى داخل جميع الكنائس فامر بعمل التسبحة ليللا بطريقة شبه يومية وحاول نقل روح التسبحة...

سور الدير

سور الدير

16 حزيران/يونيو 2010

كانت الأم الراهبة رفقة تسكن في قلاية تطل على خط مترو حلوان و كانت هناك اصلاحات في خط المترو المجاور للدير.

أيقونة السيدة العذراء مريم

16 حزيران/يونيو 2010

اقامت هذه السيدة كنيسة بجوار بيتها ووضعت فيها صورة كبيرة للسيدة العذراء . ثم قامت حرب ضد الإيقونات كان يقودها الملك ثاوفيلس فكان ينزعها و يحرقها بواسطه جنوده . و...

استشهاد القديس مرقوريوس أبى سيفين بالقرن الثالث الميلادى 25 هـاتور

استشهاد القديس مرقوريوس أبى سيفين بالقرن الثالث الميلادى 25 هـاتور

16 حزيران/يونيو 2010

في مثل هذا اليوم استشهد القديس مرقوريوس الشهير بابي السيفين ، وقد ولد هذا القديس بمدينة رومية من أبوين مسيحيين ، فأسمياه فيلوباتير وأدباه بالآداب المسيحية ، ولما بلغ دور...

يرقص للعذراء

يرقص للعذراء

16 حزيران/يونيو 2010

أراد احد الشباب الذي اعتاد أن يعيش الأفراح بالرقص و المزمار أن يذهب إلى الدير ويكون راهبا فذهب إلى الدير فكان لدخوله صعوبة شديدة لأنة كان أميا ولكن لم يسلم...

راهب جديد و الانبا بيشوى

راهب جديد و الانبا بيشوى

16 حزيران/يونيو 2010

بل ألبسوا الرب يسوع الميسح و لاتصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات رو14:13 ذهب هذا الرهب الجديد للأنبا بيشوى يشكومن حروب الشياطين و لكن فهم هذا القديس بخبراتة الروحية أن هذا...

أخطأ الكاهن فى الصلاه ... فعاد الميت للحياه

16 حزيران/يونيو 2010

قول القمص لوقا سيداروس فى كتابه رائحة المسيح فى حياة أبرار معاصرين : فى الأيام الأولى لوجودنا داخل سجن المرج كان الرئيس السادات قد قام بإعتقال كثير من القيادات الدينية...

القلاية المتحركة

16 حزيران/يونيو 2010

+ ما ان خيم الظلام علي الدير و دخل كل راهب إلي قلايته يتلو مزاميره و يرتل تسابيحه حتي خرج الراهب الامي بهدوء من قلايته و تسلل خارج منطقه القلالي...

المعجزة العجيبة - مياه النيل و محمد على

المعجزة العجيبة - مياه النيل و محمد على

17 حزيران/يونيو 2010

المعجزة العجيبة - مياه النيل و محمد علىفى عام 1834 فوجئ المصريون بنقص مياه النيل مما يعرض البلاد إلى جفاف و مجاعه , و أذ ظهر عجز البشر عن تجنب...

الأرشيدياكون حبيب جرجس معلم الأجيال

الأرشيدياكون حبيب جرجس معلم الأجيال

17 حزيران/يونيو 2010

إن التعليم ثاني حاجة للشعوب بعد الخبز" هكذا كان يقول الأرشيدياكون حبيب جرجس معلم الأجيال ورائد النهضة في الكنيسة القبطية، فلقد كان مؤمنًا بأهمية دور التعليم داخل الكنيسة وفي سبيل...

القديسة مريم العذراء والخلفية هارون الرشيد

القديسة مريم العذراء والخلفية هارون الرشيد

17 حزيران/يونيو 2010

فى زمان خلافة هارون الرشيد حكم مصر والى ظالم اضطهد المسيحين وأذاقهم ألوان العذاب، وأمر بهدم الكنائس. فأرسل قوادا من أعوانه لكل مكان ، ومعهم أوامر مشددة من الخليفة بهدم...

أنا خائف من الكلاب

أنا خائف من الكلاب

02 آذار/مارس 2011

روى لي أحد الآباء الأساقفة هذه القصة المعاصرة، ذكرها بالأسماء التي ضاعت من ذاكرتي: في مدينة نجع حمادي اعتاد أحد الشيوخ الأتقياء أن يعبر نهر النيل في فجر كل 12...

العظيم بين الباباوات

العظيم بين الباباوات

19 أيلول/سبتمبر 2011

البابا شنودة الثالث يذكر عظمة البابا كيرلس الرابع ودعاه أبى الإصلاح ذكر البابا شنودة البابا كيرلس الرابع فى عظته عن الوقت (1) ودعاه أبى الإصلاح لأنه أستغل الوقت القصير الذى...

ليلة القبض على القمص بولس باسيلي

ليلة القبض على القمص بولس باسيلي

29 أيلول/سبتمبر 2011

كانت التهمة الموجهة للقُمُّص المصري هي الرد على الاتهامات المتلاحقة التي كان يوجهها الشيخ الشعراوي للأقباط ومعتقداتهم في تلفزيون الدولة. بقلم: فرانسوا باسيلي فترة لا تزال آثارها المدمرة تنهش روح...

الأنبا مرقس مطران إسنا والأقصر

الأنبا مرقس مطران إسنا والأقصر

12 كانون2/يناير 2012

ولادته وُلد هذا الأب القديس فى قرية دير تاسا مركز البداري محافظة اسيوط عام 1848م في أسرة مسيحية تقية ... وقد عنى والداه بتربيته تربية دينية حقة ونشأ على مطالعة...

قديس لا يعرفه الكثيرون

قديس لا يعرفه الكثيرون

06 أيار 2012

سعيد بن كاتب الفرغاني: مهندس قبطي ظهر اسمه في عهد الطولونيين و غالبا ما ينتسب الي ناحية فرغان بمركز ديرب نجم بالشرقية أو الي مدينة الفراجون التي اندثرت و محلها...

القديسه مريم الارمنيه

القديسه مريم الارمنيه

04 أيلول/سبتمبر 2012

كانت أسيرة عند رجل مسلم من جنود الملك الظاهر زكي الدين بيببرس سلطان مصر، فعرض عليها أن تجحد إيمانها بالسيد المسيح فلم تطاوعه على ذلك بل اعترفت أنها مسيحية.

الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير

الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير

28 تشرين1/أكتوير 2013

خرج أهالى تسالونيكى مرة عن طاعته و قتلوا حاكمهم، فأصدر أمره بقتلهم جميعا بدون تحقيق! فقتل فى يوم واحد سبعة آلآف نسمة! و عندئذ أبان له الأسقف أمبروسيوس خطأ حكمه،...

القديس نيقولا - بابا نويل

القديس نيقولا - بابا نويل

28 تشرين1/أكتوير 2013

عندما وقف آريوس و أعلن عقيدته الفاسدة أمام مجمع نيقية غضب أحد الأساقفة و إندفع القديس نيقولا (بابا نويل الشهير) أحد أباء اليونان و ضرب المبتدع على فمه.ولما شكا أريوس...

إغلاق جميع الكنائس الموجودة فى مصر

إغلاق جميع الكنائس الموجودة فى مصر

15 حزيران/يونيو 2015

عندما حكم مصر الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمى وفى فترة من فترات حياته أمر بإغلاق جميع الكنائس الموجودة فى مصر وأن صوت الجرس وأصوات التسابيح والتراتيل والقداسات لاتُسمَع فى أى...

سيرى يا مبروكة

سيرى يا مبروكة

15 حزيران/يونيو 2015

قصة عجيبة من تاريخ الكنيسة هيا بنا لنتعرف على ما يمكن ان تعمله نقاوة القلب مع الانسان لو حرمته الظروف من تحصيل هذا العالم ............................ عندما التحق احد الاشخاص البسطاء...

المعلم غالي

المعلم غالي

24 حزيران/يونيو 2015

جمع الضرائب:كان كاتب محمد بك الألفي أحد أمراء المماليك، ثم أسند إليه محمد علي منصبًا كبيرًا بعد غضبه على المعلم جرجس الجوهري، وكان المعلم غالي يسهل لمحمد علي أمر تحصيل...

القديس الأنبا غاليون السائح

القديس الأنبا غاليون السائح

24 حزيران/يونيو 2015

رهبنته:حكى الأنبا اسحق رئيس دير القلمون kalamwn (الأنبا اسحق هو رئيس دير القلمون بوادي الموالح "الوادي المالح" جنوبي وادي الريان. وهو الأب الروحي لرهبان المنطقة كلها، وقد عاصر الآباء السواح...

البار عبد الملك تواضروس

البار عبد الملك تواضروس

24 حزيران/يونيو 2015

عمل فترة موظفًا بالسودان ثم انتقل إلى الإسكندرية. كان متزوجًا من سيدة فاضلة ولم يكن لهما أولاد، وكان الاثنان يعيشان في تقوى ومخافة الرب. وكانت له أختان عذارى عاشتا معه....

القمص عبد الملاك الهواري

القمص عبد الملاك الهواري

24 حزيران/يونيو 2015

كان رهبان دير السيدة العذراء المعروف بالمحرق لا يزيدون على أفراد قلائل في أواخر القرن الثامن عشر، ولم يكن أحدهم قد حصل على رتبة القسّيسية، فكان يأتيهم كاهن من القوصية...

القمص عبد المسيح صليب المسعودي البراموسي

القمص عبد المسيح صليب المسعودي البراموسي

24 حزيران/يونيو 2015

هو ابن شقيق القمص عبد المسيح المسعودي الكبير وأيضًا ينتسب إلى بلدة الشيخ مسعود غربي طهطا ولهذا لُقِّب المسعودي. ترهبن من البداية في دير البراموس حيث قضى فيه كل حياته...

أبونا القس عبد المسيح المناهري المقاري

أبونا القس عبد المسيح المناهري المقاري

24 حزيران/يونيو 2015

نشأته:وُلد حوالي سنة 1892 م. في مركز مطاي بمحافظة المنيا من أب اسمه حنين وأم اسمها إستير وسمّياه باسم سمعان. عمل سمعان بالزراعة وتربية المواشي مع والده ولم يتعلم في...

الشهيدة طاتباني

الشهيدة طاتباني

24 حزيران/يونيو 2015

شوق نحو الإكليل:في مدينة روما التهبت نيران الاستشهاد عام 226 م. على يد الملك الشرير الكسندروس قيصر. سمعت هذه العذراء فالتهب قلبها شوقًا نحو التمتع بإكليل الاستشهاد.انطلقت إلى شوارع روما...

الشهيدة ضالوشام

الشهيدة ضالوشام

24 حزيران/يونيو 2015

نشأتها:في مدينة أخميم كانت هناك أسرة فقيرة ماديًا ولكنها غنية بالسيد المسيح، الزوج اسمه موسى والزوجة تدعى ياشمنوفا. انتقل الزوج تاركًا هذه الأسرة لترعاها عناية السماء. ترك ابنه الشاب اسمه...

الشهيدة صوفيا

الشهيدة صوفيا

24 حزيران/يونيو 2015

ميلادها ونشأتها:كان في القسطنطينية وزير اسمه ثيؤغنسطس وزوجته ثيؤدورا، وكانا بارّين وذوي اسم شائع في عبادة الله، وأيضًا كانا غنيين ولكن لم يكن لهما نسل.ذهب ثيؤغنسطس وزوجته إلى البطريرك وأخبراه...

القديس الأنبا صموئيل المعترف

القديس الأنبا صموئيل المعترف

24 حزيران/يونيو 2015

نشأته:وُلد هذا القديس حوالي سنة 597 م. بوعد إلهي لوالده التقي القس سيلاس، وذلك في بلدة مليج النصارى مركز شبين الكوم. اهتم والده بتربيته تربية مسيحية، ولما بلغ الثانية عشرة...

« »

الصوم للقديس باسيليوس الكبير

تقييم المستخدم: 1 / 5

تفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

"أنفخوا في راس الشهر بالبوق وفي يوم احتفال عيدكم الكبير" (مز4:80). هذا أمر نبوي. أما بالنسبة لنا، فإن مقاطع إشعيا التالية تنبئ بعيد الأيام المقبلة بصوت يفوق كل بوق من حيث قوته وكل آلة موسيقية من حيث خاصيّتها. هذه الأقوال تدع جانباً الصوم اليهودي وتُظهر لنا الصوم الحقيقي على طريقته القويمة:

"عندما تصومون انظروا أن لا تكونوا في خصومة أو مشاجرة مع الناس الآخرين، بل اجعلوا حدّاً لكل ظلم طارئ" (إشعيا 4:58-6). أما الرب يسوع فيقول: "متى صمتم فلا تكونوا عابسين… أما أنت فاغسل وجهك وادهن رأسك"(متى16:6-17). لأنه لا يكلّل أحد ولا يحوز على راية الظفر إن كان وجهه عابساً أو قاتماً.

لا تكونوا عابسين وأنتم تستعيدون صحتكم. فإنه لا بدّ لنا أن نتهلل لصحة نفسنا، ولا مجال للحزن بسبب تبدّل الطعام وكأننا نؤثر ملذّات البطن على منفعة نفسنا، لأن الشبع يقف إحسانه عند حدود البطن، أما الربح الناتج عن الصوم فهو يَنفذ إلى النفس. كن فرحاً لأنك أعطيت من قبل طبيبك دواء ينـزع الخطايا. لا تبدّل وجهك كما يفعل المراؤون. إن الوجه يتبدل عندما يظلم الداخل مع التظاهر الخارجي، وكأنه مخفي وراء ستار كاذب.

المرائي هو الذي يكون له على المسرح وجه آخر. يرتدي قناع السيّد وهو في الحقيقة عبد. يلبس قناع الملك وهو بالحقيقة من عامة الناس. هكذا أيضاً في الحياة الحاضرة، كثيرون يتظاهرون وكأنهم على المسرح. يكونون على كل شيء في عمق القلب ويتظاهرون بوجه آخر أمام الناس. أما أنت فلا تبدّل وجهك. كما أنت هكذا أظهر للآخرين. لا تبدّل مظهرك عابساً ساعياً وراء الشهرة عن طريق التظاهر بالصوم والإمساك، لأنه لا نفع للإحسان الذي يطبَّل له، ولا ثمر للصوم الذي يشهّر أمام الناس، أي كل ما يقوم به الإنسان بغية التظاهر أمام الآخرين لا ينفذ إلى الدهر ولا يتخطى حدّه مدح الناس. أسرع بفرح إلى هبات الصوم. إنّه هبة قديمة العهد لا تعتق ولا تشيخ، بل تتجدد وتزهر على الدوام.

تاريخ الصوم:

ربما تظن أنني سأعيد قدم الصوم إلى مرحلة الناموس الموسمي. الصوم هو أقدم من ناموس موسى. ومع قليل من الصبر ستقتنع من كلامي هذا. لا يخطر ببالك الظن بأن بداية الصوم تعود إلى يوم الكفّارة الذي حُدّد لإسرائيل في العاشر من الشهر السابع (لاويين 27:23). هلمّ تقدم أكثر في التاريخ وأبحث عن قدمه. فإن نظام الصوم لم يبتكر في الأزمنة الحديثة. إن هذه الجوهرة هي من ميراث آبائنا. كل شيء يتميز بقدمه جدير بالاحترام والإجلال فاحترم إذاً وجهه الشاحب. الصوم هو من عمر الإنسانية نفسها. لقد شُرّع له في الفردوس. إن آدم هو الذي تقبّل الوصية الأول للصوم "من شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل" (تكوين 17:2). العبارة "لا تأكل"ما هي إلا شريعة صوم وإمساك.

لو أن حواء لم تأكل من ثمر العود لما كنّا بحاجة إلى الصوم الحاضر. "لأن الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى" (متى 12:9). لقد ترتّب علينا كثير من الشرور بسبب خطايانا، فلنعالجها إذاً عن طريق التوبة. لكن التوبة بدون صوم لا تأتي بثمر. "إن الأرض ملعونة بسببك وسوف تنبت شوكاً وحسكاً" (تك17:3-18). لقدّ تسلّمت وصية التعرّف ضمن حدود ولم تعطَ أن تستسلم لملذات الجسد. حسابك لله يكون عن طريق الصوم. إن العيش في الفردوس يعكس صورة الصوم. لا لأن الإنسان كان يتشبه بالملائكة عن طريق القناعة، بل أيضاً لأنه لم يكن ليعرف في الفردوس كل ما ابتكره الناس بعد ذلك من شرب خمر وذبائح حيوانية وكل ما يعكّر صفو ذهن الإنسان.

لقد طُردنا من الفردوس لأننا لم نصم. فلنصم إذاً حتى نعود إليه. ألم ترَ كيف أن الفقير لعازر دخل الفردوس عن طريق الصوم (لوقا16)؟ لا تتشبّه بمعصية حواء وتتبع مشورة الحية. لا تتحجج بالمرض الجسدي. إن هذا التعلل لا يتوجّه إليَّ بل إلى ذلك الذي يعرف حقائق الأمور بالضبط. تقول لي لا أستطيع أن أصوم، لكنك تقدر على إشباع البطن طيلة عمرك وعلى إجهاد جسدك بثقل المآكل التي تتناولها. إنني اعلم من جهتي أن الأطباء يصفون الصوم دواء للمرضى، لا كثرة المآكل. كيف تقدر من جهة على إشباع البطن وتدّعي من جهة أخرى أنك لا تقدر على الصوم؟ ما هو الأسهل بالنسبة للبطن؟ أن تمضي الليل هادئاً، مع قليل من الطعام، أم أن تستلقي على الفراش مثقلاً بكثرة المآكل؟ أو قل بالأحرى أن تتقلب متنهداً ومواجهاً خطر القيء من كثرة الأطعمة؟ أو أنك تريد أن تقنعني أنه اسهل على البحارّة أن ينقذوا من الغرق مركباً مثقلاً بالحمولة من أن ينتشلوا مركباً قليل الحمولة وخفيفاً. هذا لأن المركب الثقيل ما أن ترفعه الأمواج قليلاً حتى يشرف على الغرق، بينما يسهل على المركب الخفيف أن يتجاوز العاصفة لأنه لا يصعب عليه أن يرتفع فوق الأمواج وأن الأجساد التي تثقل بالأطعمة بصورة متواصلة معرّضة أكثر للأمراض إلا أننا عندما نتناول طعاماً خفيفاً متوازناً، نتجنّب شرَّ المرض كما يتجنّب المركب الخفيف العاصفة وينجو… إلاّ إذا اعتبرت، حسب رأيك، أن الاستراحة أضمن من الركض و الهدوء أشدَّ من العراك. فإذا صحَّ قولك هذا يكون أفضل للمرضى أن ينتفخوا بالمآكل بدل أن يكتفوا بالطعام الخفيف. طعام خفيف يسدّ حاجة كل حيّ للغذاء أفضل من مأكل كثير يثقله، لأنّه مع كثرة الأطعمة تتعكر عملية التغذية بدخول أمراض متنوعة.

ولكن لنتقدم في تاريخ الصوم ونتقصّ قدم تشريعه. كيف تقبّله القديسون جميعاً كميراث آبائي ومارسوه بدقّة مسلِّمين إياه من أب إلى ابنه إلى أن وصل إلينا بالتسلسل. لم يُعرف الخمر في الفردوس (كما ذكرنا) ولا الذبائح الحيوانية ولا أكل اللحوم. لقد عرف اللحم والخمر بعد الطوفان لأنه أوصي عند ذلك "بأن كل حيّ يدبّ كبقول العشب" (تك3:9). عندما يئس البشر من بلوغ الكمال الروحي حينئذٍ سمحوا لأنفسهم بالتمتع بكل شيء. والبرهان على أن البشر لم يعرفوا الخمر هو نوح كان يجهل استعمال الخمر: لم يرَ أحداً يستخدمه وهو لم يذقه هو شخصياً، لذلك حدث له ما حدث من أذى من جراء عدم احتياطه. " ابتدأ نوح بحرث الأرض وغرس كرماً وشرب من الخمر وسكر"(تك 20:9-21)، لا لأنه كان سكيراً بل لعدم خبرته في شرب الخمر باعتدال. إن شرب الخمر بعيد عن مرحلة الفردوس بقدر ما يبتعد الصوم الشريف في قدم زمنه.

ونعلم أيضاً أن موسى لم يجرؤ على الاقتراب من جبل سيناء و الصعود إليه إلاّ بعد صوم طويل. لم تكن له الجرأة على الصعود إلى الجبل المدخّن ولا الشجاعة على الدخول في وسط الغمام الذي غطاه (خر18:24) لو لم يتسلّح بالصوم. عن طريق الصوم تسلّم الوصايا العشر التي دُفعت إليه على لوحين من حجر مكتوبين بإصبع الله (خر28:34)، بينما في أسفل الجبل دفعت الشراهة الشعب إلى عبادة الأوثان، لأنه جلس يأكل ويشرب ثم قاموا كلَّهم يلعبون. البقاء على الجبل أربعين يوماً وابتهال عبد الله المؤمن، كل ذلك لم يجد نفعاً مقابل يوم واحد من السكر والعربدة. وبعبارة أخرى، إن لوحي الوصايا التي أتت عن طريق الصوم مكتوبة بإصبع الله حطمها السكر، لأن النبي موسى حكم أن الشعب المستسلم للسكر لم يكن يستحق استلام الوصايا الإلهية (خر19:32). بالنسبة للشعب الذي عرف الله الحقيقي والصانع له العجائب، لحظة واحدة كانت كافية ليعود ويغرق في وثنية المصريين. فاجعلوا أمامكم إذاً الأمرين وقارنوا بينهما: أنظروا أن الصوم من جهة يقرّب الإنسان إلى الله، بينما التمتع من جهة أخرى يقضي على خلاص نفسه.

لكن لنتابع طريقنا ونتقدم في التاريخ. من الذي أضعف موقف عيسو وجعله عبداً لأخيه؟ أليس هو طعام تناوله وباع من أجله بكوريته لأخيه (تك 31:25-34)؟ في المقابل، يُهدَ صموئيل لأمّه عن طريق الصلاة والصوم (1ملوك7:1-11)؟ ما الذي جعل شمشون الكبير لا يقهر، أليس هو الصوم الذي ساهم في الحبل به؟ لأن الملاك أوصى به لأمه قائلاً لها: "والآن فاحفظي ولا تشربي خمراً ولا مُسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً لأنك ستحملين وتلدين ابناً سيكون ناسكاً لله من بطن أمه إلى يوم وفاته" (قضاة13:7

الصوم يولّد أنبياء، يجعل المشرّعين حكماء. هو كنـز صالح للنفس، وسكناه فيها ضمانة. هو سلاح المجاهدين ورياضة المتبارين. هو الذي يبعد التجارب ويحثّ على التقوى. يواكبه انتباه روحي متواصل. الصوم يولّد العفّة. في الحروب يصنع الرجال، وفي السلم يعلّم الهدوء. يقدّس المكرّس لله، يجعل الكاهن يتقدم أكثر قي طريق الكمال، لأنه لا يمكن للكاهن بدون صوم أن يخدم العبادة الإلهية الحاضرة والسريّة فحسب بل حتى العبادة الناموسية التي لموسى أيضاً.

الصوم هو الذي أهّل إيليا لتلك الرؤية العظيمة، لأنه بعد أن طهّر نفسه بالصوم مدّة أربعين يوماً أهّل لرؤية الرب في مغارة حوريب بقدر ما يستطاع للناس أن يروا الله (3ملوك8:19-15). وقد أقام ابن الأرملة بعد صوم (3ملوك 20:17-23) متغلباً هكذا على قوة الموت. من فمه، وبعد صوم طويل، خرج الصوت الذي حبس السماء معاقباً الشعب بسبب معصيته، وكان ذلك لمدة ثلاثة سنين وستة أشهر (1:17)، لأنه إذ أراد أن يطرّي قلوب الشعب القاسية فضّل أن يحكم على نفسه معهم بالشقاء. لذلك قال:"حيّ الرب… إنه لا يكون ندى ولا مطر إلاّ عند قولي". وفرض الصوم عن طريق الجوع الذي حلّ مع الجفاف من أجل تقويم الشعب الذي كان استسلم للملذات الجسدية واستفحل الضلال في عيشه

وأيضاً كيف كانت حياة أليشع؟ بأية طريقة استضافته المرأة الشونمية؟ فكيف أطعم الأنبياء الذين استضافهم؟ ألم تقتصر ضيافته على بعض البقول البريّة وقليل من الطحينّ؟ لأنه عندما وضعت البقول خطأً في القدر تعرّض الآكلون للموت من جراء الأعشاب المسمَّمة. فجاءت بركة النبي الصوّام وأبطلت فعل السمّ (2ملوك38:4-44)

بكلمة واحدة، لدى فحص الأمور، تجد أن الصوم كان مرشداً لجميع القديسين سلوكهم وفقاً لوصايا الله

هناك جسم طبيعي هو الأميانط (amiante) لا يحترق في النار ويبدو فيها وكأنه يصير فحماً، لكن عندما يُنشل منها ويغسل بالماء يزداد لمعاناً. وهكذا استبان مع أجسام الفتية الثلاثة لأنها كانت نقية. لقد وُجدوا في لهيب الأتون وكأن أجسادهم من ذهب لا من لحم وعظام، وظهروا عند خروجهم أبهى مما كانوا عليه (دانيال3). طبعاً برهنوا على أنهم أسمى من الذهب لأن النار لم تُشوّه مظهرهم بل حفظتهم بلا عيب. فمن كان يستطيع أن يحتمل مثل هذا اللهيب الذي كان يوقد بالنفط والزفت والزرجون حتى ارتفع فوق الأتون تسعاً وأربعين ذراعاً وانتشر وأحرق الذين صادفهم حول الأتون من الكلدانيين؟ دخل الفتية الثلاثة الحريق بعد أن صاموا قبلاً فاستنشقوا اللهيب وكأنه نسيم عليل مندّي. لم تجسر النار على الاقتراب من شعر رأسهم لأنهم كانوا قد تغذوا بالصوم

أما دانيال رجل الرغائب الذي طيلة ثلاثة أسابيع لم يأكل خبزاً ولا شرب خمراً، فقد علّم الأسود أيضاً أن تصوم عندما أُلقي في الجب. وكأن جسمه مصنوع من حجر أو من نحاس أو من مادة جامدة أخرى لم تقوى عليها الأسود بأسنانها. كما أن السقي يجعل الفولاذ أشد وأمتن، هكذا بطريقة مشابهة تقوّى جسم دانيال من جراء الصوم. جعله لا يقهر أمام الأسود التي لم تجرؤ أمامه حتى على أن تفتح أفواهها (دانيال6)

فضائل الصوم:

الصوم أخمد أجيج النار، الصوم سدَّ أفواه الأسود (عب33:11). الصوم يرفع الصلاة إلى السماء وكأنه يعطيها أجنحة تخوّلها الطيران إلى فوق. الصوم يُعمر البيوت، يُعنى بالصحة كأم. هو مربٍّ للشباب ومزيّن للمتقدمين في السن. مرافق حسن للمسافرين وضمانة لكل من يساكنه. لا يشك الرجل بامرأته عندما يراها تصوم، كما لا تغار المرأة من رجلها عندما تراه يصوم بانتظام

من الذي قضى على ثروته من جرّاء الصوم؟… لا ينقص شيء منها عن طريقه. هو يريح الطباخين قليلاً من العمل. تقتصر المائدة على الطعام القليل. لقد أعطي السبت لليهود "لكي يستريح فيه ثورك وحمارك وكذلك عبدك" (خر12:23). ليكن الصوم فرصة استراحة سنوية للخدام من أتعابهم المتواصلة. يستريح الطباخ قليلاً من عمله. يأخذ مدبر المواد مأذونية. لا يعود يسكب خمراً في كأسك، وتتوقف صناعة الحلويات المختلفة، من الدخان، من رائحة الشوي، من كل من يسرع هنا وهنا كمن أجل خدمة البطن وكأنه السيد الذي لا يكفيه شيء. كان من عادة جامعي الضرائب أن يريحوا الملزمين قليلاً في وقت من الأوقات من دفع الضريبة. فليعط بطنك استراحةً ما للفم، ويلجأ محبة منا إلى السكينة. هو الذي لا ينفك يطالب بالمآكل وإن نسي اليوم يعطي غداً ما كان قد تناوله البارحة. عندما يمتلئ يتكلّم عن فلسفة الإمساك، وعندما يفرغ ينسى ما كان قد علّمه في وقت شبعه

الصوم لا يعرف ما هو الدَّيْن…ابن الصوّام اليتيم لا تخنقه ديون والده ملتفة حول عنقه كالحيات. ومن جهة ثانية الصوم مناسبة للابتهاج. كما أن العطش يجعل الشرب مستحباً، كذلك الصوم المسبق يجعل المائدة مستحبة والطعام أشهى، لأنك إن أردت أن تجعل مائدتك لذيذة وشهية اعتمد الصوم الذي يخلق مثل هذا التبدّل. أما أنت، الذي تتسلّط عليك شهوة التمتع بالأطعمة، فإنك تفقد بهذه الطريقة ملذاتها وتقضي على المتعة واللذة من جراء شهوتك وهو محبة اللذة. لا شيء يُشتهى ويتمتع به المرء بصورة متواصلة ولا يزدري به في النهاية. كل شيء نادر مستحق التمتع به.هكذا شاء الخالق عن طريق التبدل في العيش أن يديم التمتع بما وهبنا من نِعم. ألا ترى الشمس مستحبة أكثر بعد انتهاء الليل؟ والاستيقاظ بعد النوم، والصحة بعد المرض، والمائدة أيضاً بعد الصوم، أكان ذلك للأغنياء الذين تفيض عندهم المآكل أم للفقراء القانعين بالطعام القليل؟

أذهب في مثال ذلك الغني لأن التمتع بالمآكل طيلة حياته سلّمه إلى نار جهنّم (لوقا16). لقد أدين لا لظلمه بل لأنه كان يعيش في التنعم الدائم.لذلك أخذ يحترق في نار الأتون. والصوم يفيدنا،ليس فقط من أجل الحياة الأبدية، بل يفيد أيضاً، جسدنا البشري. إن الرفاهية الزائدة تجرّ سقطات لاحقة، لأن الجسم يتعب ولا يستطيع أن يحمل ثقل الأغذية الكثيرة. أحذر ألاّ تزدري اليوم بالماء حتى لا تشتهي فيما بعد على مثال الغني نقطة واحدة منه. لم يسكر أحد من الناس من شرب الماء ولا أصابه صداع بسببه، ولا تعبت رجلاه أو يداه منه أيضاً

إن عسر الهضم الذي يرافق عادةً كثرة الطعام والشراب هو الذي يولّد أمراض الجسد الصعبة. وجه الصائم محتشم، لونه لا يحمّر بصورة فاقعة، بل يتزين بلون شاحب يعكس عفة صاحبه. عيناه هادئتان وكذلك مشيته. هو رصين الطلعة لا يستجلب الضحك. أقواله متّزنة وقلبه نقي. تذكّر القديسين القدماء الذين"طافوا هنا وهناك في جلود غنم معوزين مكروبين مذَليّن" (عب37:11). تمثّل بحياتهم إن ردت أن تشترك في نصيبهم

في العهد الجديد

من الذي أراح لعازر في أحضان إبراهيم (لوقا16)؟ أليس هو الصوم؟ حياة القديس يوحنا السابق كان صوماً مستمراً. لم يكن له لا سرير ولا مائدة طعام، لا أرض مفلوحة ولا حيوان يعلفه، لا قمح، لا رداء ولا شيء مما تحتاج إليه الحياة الحاضرة. لذلك لم يوجد فيما بين الناس أعظم من يوحنا المعمدان. وأيضاً الصوم هو الذي رفع بولس الرسول إلى السماء الثالثة (2كو 2:12-4).يأتي في ذكره على تعداد أحزانه والافتخار بها (كو5:6و 27:11). وعلى رأس ما أتيت على ذكره حتى الآن يأتي مثال ربنا يسوع المسيح نفسه، الذي عن طريق الصوم، حافظ على الجسد الذي أخذه من أجل خلاصنا. بالصوم ردّ عنه هجمات الشيطان معلّماً إيانا بهذه الطريقة أن نهيئ أنفسنا وأن ندرّبها من أجل مواجهة التجارب

لقد أخلى الرب ذاته وتنازل مقدماً هكذا فرصة لقاء مع الشيطان ومحاربته. فإنه لم يكن بقدور العدو أن يقترب عن طريق أُخرى من السيد بما أنه إله، لو لم يتنازل إلى مصاف البشر "مخلياً ذاته أخذاً صورة عبد". وقد تناول طعاماً حتى بعد القيامة لكي يثبت بهذه الطريقة جسده القائم له طبيعة مادية

أما أنت الذي تحشو بطنك بالمآكل، ألا تلاحظ رخاوتك من جراء ذلك، ألا تتفوه بكلمة عندما ترى ذهنك يجف بسبب فقدان الأقوال المحيية الخلاصية المغذية إيانا؟ أم تجهل أن من يتخذ حليفاً ينجح في التغلب على العدو؟ هكذا فإن الذي يضيف على جسده شحماً يقاوم الروح. كم أن الذي يجعل للروح حليفاً مساعداً يسيطر على جسده. ذلك لأن الروح مناهض للجسد حتى أنك إن أردت أن تقوّي ذهنك لجأت إلى الصوم من أجل إخضاع جسدك. هذا ما يتفق مع كلام بولس الرسول الذي يقول: أن كان إنساننا الخارجي يفنى فالداخلي يتجدد يوماً فيوماً" (2كور 16:4)، أو "حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوي" (2كور10:12)

وفي العهد القديم:

ألا تزدري بالمآكل التي بكثرتها تفسد؟ ألا ترغب في مائدة الملكوت التي يهيِّئها الصوم دائماً في الحياة الحاضرة؟ من الذي، عن طريق كثرة الطعام واستمرار التمتع الجسدي، نال مرةً موهبةً روحيَّة؟ لقد لجأ موسى إلى الصوم مرة ثانية من أجل تقبل الوصايا ثانية (خر28:34). لو لم يصم أهل نينوى حتى مع بهائمهم لما نجوا من وعيد الخراب (يونان4:3-10). من هم الذين تناثرت أعضاء أجسادهم وعظامهم في الصحراء؟ أليسوا هؤلاء الذين اشتهوا أكل اللحم؟ عندما قنعوا بالمن والماء الفائض من الصخرة انتصروا على المصريين وعبروا البحر على اليبس، ولم يكن فيما بينهم ذو علّة. لكن ما أن اشتهوا اللحوم المطبوخة حتى عادوا إلى مصر ولم يروا أرض الميعاد

ألا تخشى من التشبه بهم؟ ألا ترعبك شهواتك التي ربما تحرمك من الخيرات السماوية؟ النبي دانيال لم يكن ليشاهد مثل هذه الرؤى لو لم ينقِّ نفسه مسبقاً عن طريق الصوم (دانيال8:1-20). إن كثرة الطعام تجرّ نوعاً من خيالات تشبه غيوماً سوداء تقطع استنارات الذهن بالروح القدس. إن كان للملائكة طعام فما هو إلا الخبز كما يقول النبي:"أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز25:77). لا اللحم، لا الخمر ولا شيء آخر يشتهيه ذوو محبة البطن

الصوم سلاح أمام جنود الشياطين. "لأن هذا الجنس لا يخرج إلاّ بالصوم والصلاة "(متى21:17). حسناته لا تعدّ. أما نتيجة الشراهة فهي الهلاك، لأن التمتع بالمأكل والسكر وما إليها تجرّ مباشرة كل نوع من أنواع الخلاعة التي تليق فقط بالبهائم. فالسكر يولّد في النفس حب التمتع باللذات الجسدية والزنى…بينما الصوم، يساعد حتى الزوجين على نوع من الاتزان الجنسي ويحدّ من المبالغة في التمتع الجسدي، مما يساعد كثيراً على الاستمرار غفي حياة الصلاة.

فضائله على صعيد أوسع:

لكن حسنات الصوم لا تقتصر على الابتعاد عن الأطعمة الشهية، لأن الصوم الحقيقي هو في الابتعاد عن كل شرّ. الحد من كل عمل ظالم، الابتعاد عن كل ما يحزن الآخر بل إعانته في كل ما يحتاج إليه (إشعيا6:58). لا تصوموا وأنتم في نزاع مع الآخرين. أنت لا تأكل لحمً بل ترغب في مأكل لحم أخيك. تمتنع عن شرب الخمر، لكنك لا تقطع لسانك عن التجديف. تنتظر هبوط الليل لكي تفطر بينما تمضي النهار كلَّه في المحاكم. الويل للسكارى من غير شرب الخمر. الغضب ما هو إلا سكر للنفس لأنه يُخرج الإنسان عن صوابه كما يفعل فيه الخمر. الحزن أيضاً نوع من السكر لأنه يُظلم الفكر. والخوف أيضاً نوع آخر عندما لا يبرر مصدره. لذلك يقول لمزمور:"نجِّ نفسي من خوف العدو" (مز2:63). وبصورة عامة الأهواء النفسية المختلفة التي تسبب اضطراباً للذهن يمكن اعتبارها نوعاً من السكر.

أنظر جيداً إلى الغاضب كيف يصبح من شدة غضبه كالسكران، لا يعود يسيطر على نفسه، لا يلاحظ حاله ويتجاهل وجود الآخرين. كما في حرب ليلية يضرب عشوائيّاً. يتفوه بكلام غير لائق، يشتم، يضرب، يهدد، يحلف، يصرخ وكأنه على وشك الانفجار. تجنب مثل هذا النوع من السكر كما ولا تسكر أيضاً بالخمر. لا تفضل شرب الخمر على الماء، حتى لا يسوقك السكر نفسه إلى الصوم. لا يمكن للسكر أن يكون مقدمة للصوم لمبارك كما أن الطمع لا يقود إلى العدالة. كذلك لا تستطيع عن طريق الخلاعة أن تصل إلى العفة وبصورة عامة عن طريق الرذيلة أن تصل إلى الفضيلة. الصوم له مدخل آخر. السكر يقود إلى الخلاعة، أما الخلاعة فهي تقوده إلى الصوم.

كما أن المتباري يتدرّب ويتروّض مسبقاً، كذلك الصائم يجب أن يتعفف من قبل. لا تخزّن خمراً في معدتك خلال أيام الفسحة الخمسة وكأنك تريد أن تعادل أيام الصوم وتضحك على صاحب الوصية. إن تعبك سيذهب باطلاً مجهداً جسدك دون أن تعوّض له في أيام الإمساك. تخزن في جرّة مثقوبة، يتسرّب منها الخمر ويجري في طريقه، أما الخطيئة فتبقى وحدها في مكانها.

العبد يهرب من سيده عندما يضربه. وأنت تنوي البقاء مع الخمر وهو يضربك كل يوم على رأسك؟ إن افضل مقياس لشرب الخمر هو حاجة الجسد. إن تخطيت هذا الحد يأتي وجع الرأس، تثاؤب، تستنشق رائحة الخمر المخلّل، كل شيء حولك يدور ويضطرب. السكر يقود إلى النوم الذي يشبه الموت أو الصحو الذي يشبه الحلم.

أتعلم يا ترى من هو مزمع أن يأتي وتتقبله؟ هو الذي وعدنا بقوله:"نأتي أنا وأبي وعنده نصنع منزلاً"(يوحنا23:14). لماذا إذاً تسرع عن طريق السكر وتوصد الباب أمام الرب؟ هو يطرد الروح القدس. كما أن الدخان يطرد النمل كذلك تهرب المواهب الروحية من السكر.

الخلاصة:

الصوم حشمة المدينة، سكينة الأسواق، سلام العائلات وضمانة لموجود أتنا. أتريد أن تتعرف إلى وقاره؟ قارن بين الليلة الحاضرة والنهار المقبل، تجد أن المدينة تتبدّل وتنتقل من السكينة الكليّة إلى الضجة والاضطراب.

أرجو أن يتشبه نهار غد باليوم الحاضر من حيث السكينة والوقار دون أن يفقد شيئاً من بهجته. عسى أن يعطينا الرب الذي أهَّلنا للوصول إلى مثل هذا اليوم ما يهب عادة للمجاهدين الأشداء فإنه بمواظبتنا على الجهاد والصبر سوف يؤهِّلنا أن ندرك ذلك الذي يوزّع فيه الأكاليل، أن نصل ههنا إلى أيام ذكر آلام الرب وفي الدهر الآتي إلى مجازاتنا حسناً على أعمالنا حسب حكم المسيح العادل الذي يليق له المجد إلى الأبد. آمين

أضف تعليق


كود امني
تحديث

تم التطوير بواسطة شركة ايجى مى دوت كوم
تصميم مواقع مصر - ايجى مى دوت كوم