إن السيد المسيح طلب من تلاميذه أن يثبتوا فيه وشبّه نفسه بالكرمة فقال "أنا الكرمة الحقيقية وأبى الكرام. كل غصن فى لا يأتى بثمر ينزعه وكل ما يأتى بثمـر ينقيه ليأتى بثمر أكثر. أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذى كلمتكم به. اثبتوا فىّ وأنا فيكم كما أن الغصن لا يقدر أن يأتى بثمر من ذاتـه إن لم يثبت فى الكرمـة كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فىّ. إن كان أحـد لا يثبت فى يطرح خارجـاً كالغصن فيجـف ويجمعونه ويطرحونه فى النار فيحترق. إن ثبتم فىّ وثبت كلامى فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم"(1).
والثبات فى المسيح هو ثبات فى محبته لذلك يقول "إثبتوا فى محبتى"(2).. ويقول يوحنا الرسول "الله محبة .. ومن يثبت فى المحبة يثبت فى الله، والله فيه"(3).
والإنسان الثابت فى المسيح هو إنسان راسخ فى الإيمان لا يتزعزع .محبته لا تسقط أبداً مهما كانت العوائق المحيطة به فهى لا تستطيع أنت تهزه .. لذلك يقول معلمنا بولـس الرسول "إذن يا اخوتى الأحباء كونوا راسخين غير متزعزين مكثرين فى عمل الرب كل حين عالمين أن تعب محبتكم ليس باطلاً فى الرب"(4).
هناك أشخاص يثبتون فى الرب مهما كانت الظروف المحيطة بهم ..
فأبونا إبراهيم خرج من أور الكلدانيين وذهب إلى أرض كنعان وسكن فى حاران "فقال الرب لإبراهيم اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التى أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظّم اسمك وتكون بركة .. وذهب ابرام كما قال له الرب"(5).
(1)-(يو15: 1- 7). (2)-(يو15: 9). (3)-(1يو4: 16).
(4)-(1كو15: 58). (5)-(تك12: 1- 4).
أطاع ابرام كلام الرب بدون أن يعلم إلى أين يذهب، وماهى الأرض التى سيذهب إليها ؟ وسار ابرام مع الرب حتى فى تجربة تقديم ابنه ذبيحة(1) لم تنقص من محبة إبراهيم لله وثباته على الإيمان به.
وكذلك أبونا نوح وجد نعمة فى عينى الرب ، لأنه عاش فى وسط خاطئ جداً ولكنه ثبت فى محبته لله .. وصدّق مواعيد الله بعمل الفلك حتى أن الرب قال لنوح "ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك لأنى إياك رأيته باراً لدى فى هذا الجيل ..لأنى بعد سبعة أيام أيضاً أمطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة وأمحو عن وجـه الأرض كل قائم عملته.. ففعل نوح حسب كل ما أمره الرب"(2).
فإن أردت أن تثبت فى محبة الرب فحاول تطبيق التداريب الآتية :
1- أولاً اثبت فى محبة الله، وتأمل ما يقول بولس الرسول "من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف .. ولكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا"(3).
2- ثبت إيمانك بالمسيح .. والسيد المسيح أعطانا مثالاً للثبات فى الإيمان مثال للبيت المبنى على الصخر نزلت الأمطار وجاءت الأنهار وهبت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لأنه كان مؤسساً على الصخر"(4).
لذلك قال لبطرس "وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها"(5).
3- الثبات فى التجارب .. قال المسيح لتلاميذه "أنتم الذين ثبتم معى فى تجاربى"(6).. قال لهم هكذا لأن كثيرين آخرين لم يثبتوا معه، ومن هؤلاء أولئك الذين رجعوا إلى الـــــوراء لمــــا تحـــــدث عن التناول من جســــــده ودمه(7).. حتى أنـــــه
(1)-(تك22: 2). (2)-(تك7: 1- 5). (3)-(رو8: 35).
(4)-(مت7: 25). (5)-(مت16: 18). (6)-(لو22: 28).
(7)- (يو6: 66).
قال لهم "ألعلكم أنتم تريدون أن تمضوا فأجاب سمعان بطرس إلى من نذهـب يارب وكلام الحياة الأبدية عندك"(1).
ما عدا يهوذا الإسخريوطى فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة واتفق مع الجند كيف يسلمه إليهم. ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة(2)، وكان يهوذا يحب المال ويسرق من الصندوق.
4- الصبر إلى المنتهى .. فهناك أشخاص لا يثبتون، لأن طبيعتهم التردد أو الضعف وعدم الصلابة أو عدم الصبر فهم لا يحتملون المقاومة كثيراً لذلك قال الرب لنا "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص"(3).
5- قاوم إغراءات العالم وشهواته، وتشّبه بالمسيح الذى انتصر فى التجارب لكى يعلمنا كيف تنتصر على عدو الخير .. وقد لخص يوحنا الرسول هذه التجاب فى ثلاثة قائلاً "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضى وشهوته وأما الذى يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد"(4).
وبولس الرسول يقول عن أحد تلاميذه "ديماس تركنى لأنه أحب العالم الحاضر"(5).
6- حفظ الوصايا والعمل بها .. والرب يسوع يقول "إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى كما أنى أنا قد حفظت وصايا أبى وأثبت فى محبته"(6).
أما عن السلوك فى الحياة الروحية فقد قال الرسول يوحنا "من قال أنه ثابت فيه ينبغى أنه كما سلك ذاك هكذا سلك هو أيضاً"(7).
7- ممارسة الأسرار الكنسية، وأهمها التوبة والاعتراف والتناول من جسد الرب ودمه، فالرب يسوع يقول "من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىّ وأنا فيه"(8).
(1)-(يو6: 68). (2)-(لو22: 3- 5). (3)-(مت24: 13).
(4)-(1يو2: 15- 17). (5)-(2تى4: 10). (6)-(يو15: 10).
(7)-(1يو2: 6). (8)-(يو6: 56).
الصلاة .. عامل هـام جـداً للثبات فى الرب فقد علّم السيد المسيح تلاميذه الصلاة الربانية التى تبدأ بإبوة الله لنا .. أى نحن أبناءه .. والأبناء لهم دالة الاقتراب من الله، وليس المقصود الصلاة بالأجبية فقط بل الصلاة الدائمة التى تجعلنا فى صلة كاملة مع الله .. لذلك افتح قلبك على الله فى كل وقت تثبت فيه وهو يثبت فيك .. فقد قال بفمه الطاهر "ها أنا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتى وفتح الباب (باب القلب) أدخل إليه وأتعشى معه وهو معى"(1).
9- قراءة الكتاب المقدس .. أى كلمة الله تجعلك تثبت فيه .. والقديس بطرس الرسول يقول "وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد"(2).
وقد علمنا السيد المسيح له المجد .. أنه فى تجارب الشيطان نرد عليه بآيات من الكتاب المقدس، فالمسيح قال له فى التجربة على الجبل "مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله .. مكتوب أيضاً لا تجرب الرب إلهك .. مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد"(3).
10- مطلوب منا أيضاً إن ثبتنا فى الإيمان أن نثبت الآخرين فالمحبة الأخوية تجعل لنا مسئولية نحو كل إنسان غير ثابت فى المسيح.
فبولس الرسول يقول لأهل كورنثوس "أشكر إلهى فى كل حين من جهتكم على نعمة الله المعطاة لكم فى يسوع المسيح .. إنكم فى كل شئ استغنيتم فيه فى كل كلمة وكل علم كما ثبت فيكم شهادة المسيح. حتى انكم لستم ناقصين في موهبة ما وأنتم متوقعون استعلان ربنا يسـوع المسيح. الذى سيثبتكم أيضاً إلى النهاية بلا لوم فى يوم ربنا يسوع المسيح"(4).
وقد قال الرب يسوع لبطرس "سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكى يغربلكم كالحنطة ولكن طلبت من أجلك لكى لا يفنى إيمانك وأنت متى رجعت ثبت اخوتك"(5).
ويقول القديس بطرس "وإله كل نعمة الذى دعانا إلى مجده الأبدى فى المسيح يسوع بعد ما تألمتم يسيراً هو يكلمكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين"(6).
(1)-(رؤ3: 20). (2)-(1بط1: 25). (3)-(مت4: 4- 10).
(4)-(1كو1: 4- 9). (5)-(لو22: 31، 32). (6)-(1بط5: 10، 11).


