فلما عاد القديس مرقس من رومية قصد إلى الخمس مدن أولاً وبشر فى جميع مدنها بكلام الرب الإله وفعل معجزات فشفى الأمراض وطهر برصاً وأخرج شياطين بنعمة الرب التى حلت فيه وآمن كثير بالرب يسوع من أجل كلامه ومعجزاته فكسروا أوثانهم التى كانوا يعبدونها وكل الشجر التى كانت الشياطين تأوى إليها وتخاطب الناس منها، ولما آمنوا بالمسيح عمدهم القديس مرقس باسم الآب والابن والروح القدس
ثم قام رسول المسيح ونهض وتقوى بالروح القدس مثل مقاتل فى الحرب، فسلم على الأخوة وودعهم وقال لهم : " السيد يسوع المسيح يسهل طريقى لأمضى إلى الأسكندرية، فودعوه الأخوة وتوجه إلى مدينة الأسكندرية، فلما دخل من بابها (الإسكندرية كانت داخل حصن وله عدة أبواب) عندما جاء إلى الأسكندرية كانت تلك المدينة العظيمة هي العاصمة الثقافية للعالم في ذلك الحين وكانت مدرسة الأسكندرية الشهيرة هي مركز العلم والفلسفة في العالم الوثني تزدحم بعدد من كبار العلماء وتحتوي مكتبتها على مئات الآلاف من المخطوتات القيمة وهي مدينة عامرة بالسكان ويزيد عدد سكانها عن نصف مليون نسمة، وكان فيها أكبر وضع ديني معقد إذ كانت تحوي على كثير من الديانات والعبادات المتنوعة (الديانة الفرعونية القديمة، الديانة اليونانية، العبادة الرومانية، العبادة اليهودية، الذين آمنوا بالمسيحية بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين) وبالإضافة إلى كل هذه العبادات كان هناك حكماء الفرس والهند مع كهنة مصر وكثيرين من قادة الفكرالوثني فأصبحت المدينة خليطاً من عشرات العبادات الوثنية ومجالا للجدل الفلسفي والنقاش الديني.
ولما أقترب من الأسكندرية صلى إلى الله قبل أن يدخلها لكي يدرعه بالأسلحة الروحية اللازمة لمثل هذا الجهاد الذي كان مزمعا أن يدخل في ميدانه ولما دخلها كان حذاءه قد تمزق من كثرة السير في الكرازة والتبشير، فلما حدث ذلك قال : " الآن قد علمت أن الرب سهل طريقى " ثم ألتفت فرأى إسكافى اسمه إنيانوس، فذهب إليه وأعطاه الحذاء ليصلحه، فلما أخذه الإسكافى ووضع الشفا (المخراز) لعمل ثقب، فدخل المخراز فى كفه فقال: "إيس ثيؤوس " الذى معناه يا الإله الواحد فلما سمعه القديس مرقس يذكر اسم الإله، فرح جداً وأتجه بوجهه إلى الشرق وقال : " يا سيدى يسوع .. أنت تسهل طريقى فى كل مكان " .. ثم تفل على الأرض، وأخذ منه طيناً ووضعه على موضع ثقب الذى أحدثه الشفا فى يد الإسكافي وقال : " باسم يسوع المسيح ابن الله ترجع هذه اليد سليمة" فشفى فى الحال وإلتئم الجرح. فتعجب إنيانوس جدا من هذه المعجزة التي حدثت باسم يسوع المسيح فسأله القديس مرقس : " عن من يكون هذا الإله الذي نطق به؟ " فأجاب الإسكافى : "إني أسمع عنه سمعا ولكني لا أعرفه فنحن نذكر الإله بأفواهنا لا غير (كعادة) ولا نعرف من هو" فإنتهز مارمرقس الفرصة وأخذ يحدثه عن هذا الإله الواحد؛ وما إنتهى إنيانوس من إصلاح الحذاء وسلمه حتى دعاه أن يذهب معه إلى بيته ليكمل له هذا الحديث عن هذا الإله ومضى معه إلى بيته ولما دخل إلى منزل الإسكافى الفقير باركه قائلاً : " بركة الرب تحل فى هذا البيت " وصلى، ولما أكلوا قال له الإسكافى : " يا أبى أريد أن تعرفنى من أنت وبأى قوة فعلت هذه الأعجوبة العظيمة معى ؟ " فقال له : " أنا أعبد يسوع المسيح ابن الإله الحى إلى الأبد " .. فقال له الإسكافى : " أنا أريد أن أراه " فقال له القديس مرقس : " سأدعك تبصره " ثم بدأ يشرح له إنجيل البشارة وأقوال رب المجد كما وعظه بمواعظ وتعاليم كثيرة وأقوال الروح القدس التى ألقاها فى فمه إلى أن قال له : " أن السيد المسيح فى آخر الزمان تجسد من مريم العذراء وجاء إلى العالم وخلصنا من خطايانا، وقد تنبأ عنه الأنبياء وقالوا عنه أقوال كثيرة، فقال له الإسكافى : " هذه الكتب التى ذكرتها لم أسمع بها قط، لكن هنا كتب الفلاسفة اليونانيين هى التى تعلمها الناس لأولادهم وكذلك المصريون " فقال له القديس مرقس : " هذا العالم باطل وقبض الريح، حكمته لا شئ " فلما سمع الإسكافي كلام الحكمة وكلام الكتب المقدسة من فم القديس مرقس مع ما رآه من العجيبة التى صنعها مرقس بواسطة رب المجد فى يده التى جرحت، مال قلبه إليه وآمن بالرب وتعمد هو وكل أهل بيته وكل من يجاوره، وكثر المؤمنون بالمسيح وزاد عددهم. وكان هذا البيت هو باكورة المؤمنين في كرازة مارمرقس بأرض مصر. وأصبح بيت إنيانوس هو أول كنيسة في بوكاليا (أي دار البقر وسميت كذلك لأنها كانت حظيرة للبقر أو لأنه كانت تنبت في ذلك المكان حشائش وأعشاب برية فكانوا يرعون فيها البقر وهي حاليا الكنيسة المرقسية بالأسكندرية).
وسمع أهل مدينة الإسكندرية أن رجلاً يهودياً جليلياً (يقصدون مرقس الرسول) قد دخل المدينة وهو يريد أن يزيغ الناس عن عبادة الأوثان، وعرفوا أن الرجل الجليلى أستطاع أن يضم إلى من يعبده عددًا كثيراً من الناس، وثار عباد الأوثان فأردوا أن يقبضوا علي القديس مرقس فبحثوا عنه فى كل مكان وحددوا أشخاصاً لمراقبة الطرق والبيوت والأماكن التى يتردد عليها الرجل الجليلى فلما علم القديس مرقس بمؤامرتهم، رسم أنيانوس أسقفاً لمدينة الإسكندرية وثلاثة قسوس وسبعة شمامسة، أى أن كنيسة الإسكندرية بدأت بإحدى عشر فرداً مصرياً، وجعلهم يخدمون ويثبتون الإخوة الجدد الذين يؤمنون بالمسيحية كل يوم، وفى تلك الفترة كتب إنجيله (إنجيل مرقس) كما كتب القداس (القداس الكيرلسي لأن القديس كيرلس الكبير قد أضاف بعض الألحان والأواشي إليه فلذلك يُنسب إليه أما في الأصل فهو القداس الذي سلمه وكتبه لنا كاروزنا مارمرقس الرسول) وخرج من مدينة الإسكندرية وذهب إلى بلاد الخمس المدن الغربية (ليبيا حاليًا) وأقام بها سنتين يبشر ويرسم أساقفة وقسوساً وشمامسة فى كل مدنها وبلادها، ثم عاد إلى مدينة الإسكندرية فوجد الإخوه ثابتين فى الإيمان وكثروا جداً بنعمة الرب وأهتموا ببناء بيعة (كنيسة) فى موضع يعرف بمرعى البهائم ( كانوا يربونها فى هذه المنطقة للذبائح التى تذبح للأوثان ) قريبة عند البحر عند صخرة يقطع منها الأحجار .
وعكف القديس مرقس على إفتقاد رعيته وزيارة بلدان مصر وتبشيرها وتثبيت الإيمان في قلوب الناس ولم يكف عن متابعت الوعظ والتعليم حتى إهتزت أركان الوثنية واستحق من الكنيسة لقب (مبدد الأوثان)


